0%
Still working...

فاتحة مرشيد امرأة تجيد انتزاع أشواك الألم، عبد الدائم السلامي، جريدة العرب العالمية، 9/2/2009

فاتحة مرشيد، امرأة تجيد انتزاع أشواك الألم

عبد الدائم السلامي

هي طبيبةُ أطفالٍ. طبيبةٌ تتعامل مع براءةِ الدُّنيا. بل هي امرأةٌ تُجيدُ انتزاعَ أشواكِ الألم من أجسادِ الصغار الطريّةِ. هي شاعرةٌ. كتبت “إيماءات” و”ورق عاشق” و”تعالَ نُمطر”، وهي مجموعات شعريةٌ فيها كثيرٌ من الحُبِّ المليءِ بألمٍ صامتٍ، لكأنّ هذه الشاعرةَ تُجيدُ الألمَ والصمتَ. التقيتُها في تونس، وتبادلنا التحايا، وجالتْ في خاطرةِ الكلماتِ وشوارِعها أيّامًا حتى قلتُ: هذه امرأةٌ من قُطْنٍ، وخشيتُ عليها من شوكِ الكلماتِ. وهتفتُ إليها من أصيلة فخاطبتني من قرطبة. كانت تبحثُ عن معنًى عربيٍّ منسيٍّ هناكَ لتُحييه، وتواعدنا على لقاءٍ لم يتمَّ. منذ أيّامٍ، وصلتني منها رسالةٌ استغربَتْ فيها كثيرًا ما كتبتُ عن روايتِها الجديدة “مخالب المتعة” وأنا لم أطّلع عليها. قلتُ لها: إنّه التخاطُرُ. وأنا أعلمُ أنّ لي جنودًا من أبالسة اللغة يَمُدّونني بما أريدُ من المعنى دون عناءٍ. 

لم أقل إنّ فاتحة مرشيد ليستْ جميلةً، ولكنّي تركتُ الأمرَ إلى وقتِه. هي جميلةٌ في كلِّ شيءٍ: في تنظيمِ بيتِها الذي ينبعِثُ منه شَميمُ البخورِ والكلماتِ، في تواصُلِها مع والِدتِها تواصُلاً جاوزَ الدَّمَ وبلغَ الرّوحَ “حدّثتني عن والدتها بلغةٍ الأطفالِ، هي تنامُ بين أحضان أمِّها طولَ الليلِ، وتحلُمُ بفارِسٍ من بلادِ ما وراءَ الحُلْمِ”، وهي جميلةٌ في صداقاتِها، لا تكرَه كثيرًا ولكنّها كيِّسةٌ في تصنيعِ الحُبِّ. وهي جميلةٌ في التخييلِ، اعترفتْ لي بأنّها تبني الواقع في خيالِها ترميزًا، وتنشُرُه في رواياتِها وقصائدِها مُشَفَّرًا لا يرقى إليه بسيطُ التأويلِ. هي تؤمن بحكمةِ “السعادة هي المتعة من غير ندمٍ” السُّقْراطية، ولذا، فهي لم تندم على شيءٍ. ولعلّ أفضل ما تنمازُ به فاتحة مرشيد هو قدرتُها على الانتظارِ، هي تُجيدُ الانتظارَ: فلا تراها تجري وراءَ الواقع، ولكنّها تُخاتِلُه حتى يأتيَها بَهيًّا مُزْدانًا بشهواتِها الصَّموتِ الخضراءِ. 

تمنّتْ لي أنْ أجدَ متعةً في قراءةِ روايتِها دون مخالِبَ تُدْميني، وهي واعيةٌ تمام الوعيِ بأنّ الكتابةَ التي لا تجرَحُ الصمتَ ولا تخدِشُ المألوفَ فينا كتابةٌ عمياءُ، كتابةٌ لا تنفع الناسَ ولا تمكثُ في الأرضِ، ولغةُ هذه المبدعة أرضيّةٌ ولكنْ بروحِ مَلاكٍ شفيفٍ. وهي “تهرب كلَّ صباحٍ من نظراتِ أُمٍّ تقولُ في صمتِ: “تحرّكوا ترزقوا” وكأنّ الحركةَ تكفي لفتحِ أبوابِ الجنة. وهي لا تطمع في الجنّةِ، على الأقل ليس الآن…” لا عُمُرُ فيزيائيٌّ يمكنُ أن يَشُدَّ فاتحة مرشيد إلى اللغة المهترئة، عُمُرُها وجدانيٌّ عاطفيٌّ متوهِّجٌ بالجُرْأةِ على الخوضِ في المسكوتِ عنه، عُمُرُها كلماتٌ تتضامُّ بحميميّةٍ في معنًى غيرِ مألوفٍ، معنًى خارِقٍ لسياجِ عاداتِنا. وهي إذْ تكتُبُ، ترشحُ أوراقُها بدموعِنا، هي تُداعِبُنا باللغة حتى تبكِيَنا، ثمّ تدعونا إلى وليمةٍ من الحَلْواءِ، سنبقى صغارًا في لغة فاتحة مرشيد، وسنظلُّ نستعذبُ ألعابَنا بالمعنَى..! 

جريدة العرب العالمية 09-02-2009  www.alarabonline.org 

  

  

الرجوع 

Related Posts