رواية “الملهمات” تفكيك نسوي لنسق الفحولة
عبد الرزاق المصباحي
قَدّمت فاتحة مرشيد نفسها للساحة الثقافية بوصفها شاعرة من خلال مجموعة من الأضمومات الشعرية، وهي أعمال رسخت، استنادا إلى قيمتها الفنية، اسمها في المشهد الشعري المغربي وجذره، أي الاسم، في خارطة الغواية الشاعرة تتويجها بجائزة المغرب للكتاب (صنف الشعر) عن ديوانها (ما لم يقل بيننا) سنة 2010، بيد أن فاتحة مرشيد ستعزز تجربتها الشعرية بإصدار روايات: (لحظات لا غير) سنة 2007، (مخالب المتعة) سنة 2009، ثم (الملهمات) 2011. وكأن كتابة الشعر، غوايتها الأولى، كانت بمثابة تمرين ضروري لدخول عوالم الرواية بوصفها المغامرة الأكبر والأبهى في حياة الكتّاب.
لأنه من السهل أن نجد شاعرا عظيما بنى مجده بشكل صاعق على موهبته الفطرية، لكن” لا وجود – كما يقول الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا- لروائيين مبكرين، فجميع الروائيين الكبار والرائعين، كانوا في أول الأمر مخربشين” متمرنين، وراحت موهبتهم تتشكل استنادا إلى المثابرة والإقناع. وإنه لسبيل حاسم لا بد أن ينهجه طالب الكتابة الروائية، بما يستدعيه هذا المرور من تأمل مستوجب يستكنه معالم الطريق التي توصل إلى رسم عوالم تخييلية مبهرة في قلب عشاق الرواية من القراء. وإذا كان التمرين الغالب عند كثير من الروائيين هو القصة القصيرة، فإن مرشيد اتخذت من الشعر تمرينها الأوكد في أفقها الكتابي، وهو الأفق البارز في رواياتها الثلاث والمدخل الأهم للاقتراب من أسلوبية الرواية، فالأسلوب ركيزة ضرورية للإقناع الذي تحدث عنه يوسا. إذ لا نكتفي في الرواية أن تعالج موضوعا ما، بقدر كيفية تقديمه ومعالجته. ولعل الاستئناس بلغة الشعر يجسد أهميته البالغة في النسج الروائي. ونحن نرى كيف أن روائية مثل أحلام مستغانمي تتربع رواياتها على قوائم الأكثر مبيعا وعلى قلوب القارئات والقراء، بعد أن استثمرت، بقوة ناعمة، الإمكانات الثرة والهادرة للغة الشعر.
وإذن فإن الشعر بحمولته التخييلية الخفية وتراكيبه المقوضة للبناءات اللغوية الخطية وحتى حضوره الفحولي المضمر، يسكن روايات مرشيد، إن لم يكن موجها يشتغل بمكر وقد تزيا بجبة السرد وتخلى عن موسيقيته الفاضحة لجوهره. ولكأنه تناوب ضروري في ماهية الأعمال السردية الجديدة أن تزاوج – تخييليا – بين السردي والشعري في بنية واحدة. وهو الأمر الذي صار واسما للتجلي الروائي الجديد.
الملهمات والاستبطان السيكولوجي.
في إحدى حواراته رفض الروائي التشيكي – الفرنسي ميلان كونديرا أن تُصَنّف رواياته ضمن توصيف الرواية السكيولوجية معتبراً أن أي رواية تعكف في جوهرها على لغز (الأنا) وهي تبتكر شخصية تخييلية، حين تواجه سؤال:
من أنا أو ما هي الأنا؟. إن كونديرا يشير إلى أمر بالغ الأهمية مفاده أن الرواية – أيَّ رواية – تقدم حتى في أقصى ثخوم واقعيتها أو التزامها بعدا نفسيا وتنثر بالتالي شحنات الشخوص السيكولوجية في بنية العمل سواء عن طريق الاستبطان الذاتي أو على لسان الراوي العليم.
إن رواية الملهمات تندرج بعمق ضمن هذا المنحى، حيث يرتقي السارد بالجانب السيكولوجي لشخوصه، خاصة مع أمينة زوجة عمر صاحب دار النشر (مرايا) الذي قضى في حادث سير مميت وصديقه الأستاذ إدريس الملقب بالكاتب الناجح، وهما الشخصيتان اللتان جعلهما الساردُ الرئيس مركزَ الحكي عبر اعترافاتها التي تقدم سفرا في أحداث متنوعة بما فيها النفس ومستتبعات رؤيتها للوجود، العالم، والكتابة. نَعم الكتابة، التي هي موضوع الرواية الرئيس، في علاقاتها المربكة والإشكالية مع حالات النفس و”القلم”.
يقول الأستاذ إدريس أو الكاتب الناجح (لمزيد من البوح، أقول دائما إنني أكتب بقلمين، ولا تستقيم الكتابة لي إلا إذا استقام القلمان، فالعلاقة بين القلمين وطيدة جدا، بحيث يعجز النسغ الأسود عن إخصاب الورقة إذا عجز النسغ الأبيض) ص 203. لقد وَرَدَ هذا الاعتراف أو البوح في مقدمة كتاب (نهائي) أرسله الأستاذ إدريس إلى أمينة البديع – زوجة صديقه عمر- وقد تسلمتْ رئاسة منشورات مرايا، وفي لحظة أعياها البحث عنه بعد وفاة عمر.
كتابه النهائي هذا، ناجم عن فقدانه نسغ الكتابة الأبيض، الذي يحفز – على نحو آلي وعجيب أيضاً- القلم الأسود في كيمياء سحرية أنتجت غالبية أعماله السردية الناجحة بالرغم من أن الأستاذ إدريس نفسه كان عاجزا عن تفسير هذه العلاقة القاهرة يقول: (لم أفهم ساعتها سر هذه العلاقة الملتبسة بين فعل الحب وفعل الكتابة، ولا كان سبق لي أن قرأت شيئا شبيها لكن الواقع ملموس، .. وقصصي التي كنتم تنظرونها شاهدة على ذلك.) ص27. وقد يكون من الغريب أن نسلم بأن شيئا واقعيا مثل هذا، يمكن أن يقع، مع العلم أن العلاقة بين الإبداع والإيروس قديمة، إلا أن الربط الجبري بين فعل الحب وفعل الكتابة، لا نتصوره إلا في الحالات السيكوباتية أو الفتيشية القائمة على الهوس الجنسي.
لكن الكتابة والإبداع- وهنا تكمن المفارقة السحرية للإبداع – لا تستسلم للواقع والمنطق ومنه العجز الواقع عن تفسير محركات الإلهام التي تتأبي على الشرح تماماً كما الحب، وهو الصدى الذي عبر عنه عمر أو هكذا هيئ في قوله (من يرغب في معرفة الحقيقة فليبتكرها) ص 205. تماما، فحقيقة الرواية مبتكرة وليست ناجزة واقعيا، وإن كانت تتلمس خيوطها الأولى من الواقع ذاته، بل وترتبط عضويا بمن صاغها وبتجاربه الحياتية. لكن فارغاس يوسا، ينبه إلى أن الحياة المعيشية هي نقطة انطلاق وليس بالضرورة نقط وصول، وأن قوة إقناع الروائي هي أن يقوم بتضييق المسافة الفاصلة بين الوهم والواقع، ويجعل القارئ يمحو الحدود بينهما ويعيش تلك الكذبة، كما لو أنها الحقيقة الأكثر ثباتا ورسوخا. هذا التأثير النفسي العميق-الناجم عن قوة الإقناع- هي ما يجعل القارئ يتوحد مع العمل، ويسبغ عليه كثيرا من أحواله النفسية (قد يدمركم كتاب لأنه وضع الأصبع على جرحكم لحظتها. وقد تعودون لقراءته بعد مضي سنوات، فلا تجدون ذلك الانفعال الذي أحدثه، مع أن الكتاب هو ذاته) ص 201.وسواء أغاب هذا الإحساس أو ترسخ، فإن القارئ يعيش ذلك الربط الوهمي الذي صنع كما لو كان الحقيقة.
إن القارئ لا يحتاج إلى ملهمات، هكذا كانت قفلة الكتاب النهائي الذي خطه الأستاذ إدريس. وهو خياره المتبقي في أن يتحول إلى قارئ وحسب، ويعيش حياة واقعية. بالمقابل يحتاج الكاتب إلى الإلهام أو ملهمات عديدات يحفزنه على الإبداع. ولقد كانت حيوات مبدعين كبار تحفل بملهمة واحدة: قيس بن الملوح مع ليلى، قيس بن ذريح مع لبنى، عنترة بن شداد وعبلة، أرغون وإلزا… أو كانت ملهمة واحدة تحفز أنساغ الإبداع عند شعراء عظام كما فعلت الحسناء الروسية (غالا) مع السرياليين الكبار: أندري بروتون، وبول إيلوار، وسلفادور دالي، فضلا عن روني شار… في المقابل كانت حياة الأستاذ إدريس ملأى بالملهمات الكثيرات، لأنه يمارس ضمناً الحياة من خلال علاقته بهن، معتقدا بأن موهبة الكتابة لا تنفصل عن موهبة الحياة، لذا يعترف (أنا صنيع كل النساء اللواتي عبرن حياتي… بدءا من التي منحتني الحياة … إلى التي أيقظت الرجل بداخلي… والتي فتحت لي باب الإبداع على مصراعيه… والتي جعلت قلمي يتألق… والتي كانت ورقة مبسوطة تحت يدي… فكل كتاب عندي مقرون بامرأة… وكل فرحة مقرونة بامرأة…. وكل انكسار كذلك) ص 14.
لقد كانت هناء أول من فتح له باب الإبداع، سيتزوجها خوفا من أن يفقد الحب الذي يحفزه على الاقتراف الباذخ لفعل الكتابة. حب أناني جدا، يرى الارتباط الأبدي تضحية كبرى تقدم قربانا لربات الإلهام، كان شعاره الدائم قولة روني شار (الأساسي مهدد دائما بما هو تافه). كان التافه في حياته، حتما، كل النساء اللواتي لم يقدرن على إلهامه.
الفحولة الاجتماعية وفحولة الكاتب
الفحولة مفهوم ثقافي، ويفيد فضلا عن المعنى الإيروسي، مركزية الأنا وتعاليها عن سواها، أي الأساسي كما هو توصيف قولة روني شار، وفي منطق الفحولة هناك تهديد دائم يمارسه الآخرون على سلطة الأنا وسطوتها البارزة، وهو منطق يفرض إقصاء هؤلاء والنأي عن مسارهم، ولقد صرح الأستاذ إدريس أن الناس نوعان: من يرسلون ذبذبات سلبية، تحجب عنك الشمس وتحس في حضورهم أنك تافه، تبحث عن كلماتك فلا تجدها، ومن يرسلون ذبذبات إيجابية أي الذين تحس برفقتهم أنك الأذكى وأن العالم أجمل، وتكون قادرا على استشفاف الجمال منه. على المبدع دائما أن يتعامل مع الكيمياء الغامضة لهذه الذبذبات ببراغماتية حاسمة بأن يبتعد عن الصنف الأول ويتلمس كل العلاقات الممكنة مع الثاني. بموجب هذه القواعد الفحولية الضرورية، تخلى الأستاذ إدريس عن علاقته بياسمين طالبته في الكلية، التي ألهمته علاقتها في كتابة أول مجموعة في التجريب القصصي. وهي العلاقة التي كان ستجني عليه، بعد أن تعرفت منه على بعض أسرار الكتابة، وقلدت- بدهاء الكاتبة الموهوبة- أسلوبه الساخر، ولولا أن عمر صديقه الحميم وناشره المخلص قد وقف إلى جانبه، كان يمكن أن تسحب البساط من تحت قدميه، لذا ترك كل من تحمل قلما في وجهه أو من تحمل حلما مشابها لحمله وطموحا كطموحه. إن منطق الفحولة يفرض أن الأنا تستثمر الآخرين لخدمتها ومساعدتها على أداء مهمتها وترفض أن تتبادل هذا الدور مع أحد في أنانية فاضحة، يلتف عليها تحت مسمى الواقعية. لذا اعتبر الأستاذ إدريس أن ما فعلته به طالبته هو محض انتهازية، وأنها فقط شابة محظوظة رماها حسن الطالع إليه، تتحرك إذن الأنا الواحدة لتفسر العالم وفق منطقها المحرك، وترفض أن يكون الضوء مسلطا على غيرها، ويمكن أن نرى أن الواقع الفحولي في واقع الثقافة والإبداع يكون مماثلا لهذه الصورة، إذ لا تزال تسكن الكثيرين- وإن أخفوا ذلك – رغبة البطولة المطلقة التي تتغذى عن طريق الكتابة النقدية والمتابعات الإعلامية وحفلات التوقيع ذات طابع الماركوتنيغ الثقافي.
إن الفحولة الإيروسية عند الأستاذ إدريس لها وقع عجيب على مساره الإبداعي وعلى اشتغاله التحديثي، فانتقاله من الكتابة الكلاسية ذات الأقانيم الثلاثة المعروفة إلى التجريب القصصي بتقويضاته المربكة لتلك الأصول، والقفزة من القصة القصيرة إلى جنس الرواية كان رهينا بالنسغ الأبيض ومرتبطا على نحو عضوي بملهماته، فمع ياسمين صار تجريبيا، ومع ثريا المرأة المثقفة كتب أول رواية، ولقد كانت زينة الخادمة في شقة عمر السرية التي اتخذت (لأغراض إبداعية سامية)، والتي أحس معها بعطاء غير محدود لنبتة برية تشعره بأنه جزء من الطبيعة فقد كتب معها بغزارة مطلقة أنجح أعماله. أما مع شروق المغنية الصاعدة فألهمه انتحارها المؤسف وبعد مرور سنوات من موتها روايته (حكاية نجمة) وهي نفسها الملهمة التي لم يكتب وقت علاقتها به أي شيء، ذلك أن نرجسيتها كانت تعادل نرجسيته وتعاليها كان يماثل تعاليه. لذا تعطلت ملكة الإلهام عند الأنا الفحولية، وانتظرت حتى تحققت المسافة الضرورية بينها وبين موضوعها الملهم، حين صار في عداد الثانوي غير المهدد، ومنه تكون رواية (حكاية نجمة) ترسيخا لانتصار الأنا، ببساطة لأنها تعترف فقط بما يوجد في نطاق سيطرتها ونزواتها. كانت شروق إذن ثاني من يهدد المبدع فيه (لأنها كانت تكتسح الفضاء ولا ترضى أقل من مركزية الكون…ولم أكن أقل نرجسية منها) وحين تخلى عنها قالت: (لا أحد يتخلى عن النجمة شروق) ص 101. لكن ذلك لم يكن ليغير من الأمر شيئا، إذ الأنا الفحولية تمتلك الفضاء وتعلو في برجها العاجي الضيق الذي لا يسع الآخرين، فالأستاذ إدريس كاتب ناجح، وأستاذ جامعي مرموق، وهي مكانة تستدعي منه الوفاء بالتزاماته لقرائه ومتتبعيه ونقاده، وكأن ملهماته تفتقدن للالتزامات، فصباح، صديقة أمينة البديع، أكثر من ثار على أنانية الأستاذ إدريس حين رفضت أن تلعب دور الملهمة وطردته من شقتها مُسّرة في بوح مع أمينة أنه لم يكن يحب غير الكاتب فيه. أما هو فقد واجه هذا الطرد بجملة تدل على أناه الفحولية (نحن قوم لا نَسْعَى ولكن يُسعى إلينا) ص 79. كانت صباح تشبهه بعلاقاتها الكثيرة التي ترجعها إلى تمتعها بالقدرة على الاختيار، الاختيار الذي تعاديه الأنا الفحولية، والتي لم تتوقع بأنه يبعدها من حساباته، لذا كان الرد بأن السعي يكون بالارتقاء إلى أنا متعالية ليس من صفاتها أن تنزل إلى دركات أقل منها شأنا، ومنه لم تكن قصته مع صباح جزءا من اعترافاته لقرائه، إذ لم تسجل هذه الاعترافات إلا ما كان يغذى أفضلية الأنا وأسبقيتها.
يحاول الكاتب دائما أن يوهمنا بأنه يشبه الكاتوبليباس، ذلك الكائن الخرافي الذي تحدث عنه فلوبير، وأعاد إحياءه خورخي لويس بورخيس، والذي يطيب لفارغاس يوسا أن يشبه به الروائي. حيوان يلتهم نفسه بادئا بقدميه.
فهو يقتات على ذاته، في مفارقة تجعل من تهديم الذات أساسا لبنائها، بمعنى أن الروائي مهما كان مغرقا في أنانيته (فحوليته)، فليس بمقدوره إلا العطاء والبذل الأكبر (فليتكم تعلمون أنه في كل بناء لكتاب تهديم لكيان الكاتب. ليتكم تدركون كل ما يتطلبه كتاب من موت… نحن نموت قليلا مع كل إبداع وهاجسنا المدمر هو الكتاب المقبل) ص 55 يقول الأستاذ إدريس. إن مماثلة أنا الأستاذ إدريس بالكاتوبليباس بمعناه الرمزي النبيل محض التفاف على مشاعر قارئه ومحاولة لتبرير اكتساحها للآخرين وإلغائهم. فالموت الحقيقي موت للمهلمات، اللواتي تلعبن دور المخصبات، في مفارقة معكوسة لأن الإخصاب دور يمارسه الفحل، قبل أن تستكين إلى الموت الذي من مستتبعاته التخلي عنهن، وبتعال متوقع من أنا متمركزة حول ذاتها تقول هذه الأنا إنها تشخص علات اللواتي لم يستطعن إلهامه وتتركهن إلى غير رجعة حفاظا على صحة القلم. وكأنه طبيب قادر على تشخيص العلات، بالرغم من أنه يمكن بكل بساطة أن نجد عنده معالم فتيشية ظاهرة إذا استندنا إلى العلاقة الجبرية بين فعل الحب وفعل الكتابة التي غابت في سياق إلهام صوت السوبرانو له في إحدى المدن الصينية، معترفا بأنه (لأول مرة تلهمني فيها امرأة لا أعرف منها غير صوتها) ، ليكتب معها ثلاث قصص نشرها بعد عودته إلى المغرب.
ومن المُفارق أيضاً أن تتعطل الأنا الفحولية عن نسقها الإقصائي مع رجينا الفنانة التشكيلية الألمانية، التي التقاها في برلين. إذ كانت تمارس نفس طقوسه: لها ملهمون عديدون، وتربط بين اشتغالها على الألوان وفعل الحب، بل تستثمر الجسد في توقيع لوحاتها، التي تفكر في أن تجعله آخر معرض لها، تلتقط فيه أرواح الملهمين وتبثها أمام نقاد ومتتبعين لمسارها الإبداعي، وتتلذذ وهي تنظر كيف يصنفون هذه التجربة. كان الأستاذ إدريس ينظر بعين الإعجاب إلى جنون رجينا، وهو إعجاب راجع إلى تعلقه بالفن التشكيلي: حلمه القديم الذي تركه لأسباب مادية، لكن هناك سببا مضمرا أيضاً يدعو إلى هذا الإعجاب، الذي يعني استهلاكا جماليا للحظة، دون أن تتحرك الأنا الفحولية التي ترتبط بقاعدة أساس تعتبر أن من ينافس تلك الأنا في الإبداع مُهدد ينبغي إقصاؤه. ثم إنه خلافا لعلاقته مع ياسمين التي رفض أن يكون لها ملهما واعتبر سلوكها ضربا من الانتهازية المقيتة، كانت سعادته غامرة مع رجينا وهي تستثمر جسده في مرسمها. إنها سلطة السياق الثقافي الذي يعكسه انتماء رجينا إلى ثقافة غربية متحررة تؤمن بالمساواة وتلغي الأفضلية القائمة على الجنس أو على المكانة الاجتماعية التي تعطي سلطة ما كما هو الحال في الثقافة العربية حيث ثقافة الديكتاتور الناسخ لما دونه. ولعل الأنا الفحولية تستجيب بلا وعيها لهذا الاختلاف الفارق وتُعدّل ردود فعلها لتتقبل الأشياء التي ترفضها مقاييس ثقافتها النَّسقية، هكذا كان الأستاذ إدريس ضمنيا يستحضر من خلال رجينا إرث ألمانيا الحضاري الباذخ الذي أسس له كتابها وفنانوها العظام: ليسينغ، هردر، وليهلم شليغل، فرديترتش هولدرين، إيريش هايكيل، ريشارد فاغنير، ولودفيغ فان بيتهوفن، ويوهان سيباستيان باخ… وعبر هذه الأسماء كانت تحضر أوربا الأنوار بكامل عنفوانها وسلطتها ومركزيتها التي تجعل كاتبا فحوليا عربيا يشعر إزاءها بالهزيمة الممتدة. ومن ثم فلا خيار لأناه غير أن تتخذ حجمها الحقيقي وتتخلى عن تعاليها الواهم بأن تقنع نفسها بالسعادة وهي في حضرة جنون تعشقه، وهي سعادة زائفة لأنها لم تشبع الأنا الواحدة لكونها تقع تحت ضغط سيكولوجي لمركزية ذات سطوة أعظم.
نرى الآن كيف أن جمالية التحليل الثقافي لفكرة الفحولة قادتنا بشكل ما للتبئير على الأستاذ إدريس، ونلمس كيف أخضعتنا الكتابة عن الكتابة، في إطار تقنية الميتا – سرد التي استثمرتها الروائية على نحو بارع إلى الاستسلام المؤقت لسطوة المكتوب نعم، لقد كانت اعترافات الأستاذ إدريس موثقة في كتاب نهائي، مما جعلها أقرب إلينا استنادا إلى العلاقة الخفية مع لفظة سحرية هي الكتابة لها من اللذاذة والسحر، ما يدفعنا- وحتى ونحن في سعينا الثابت لفضح نسقيتها بالكتابة اللوغوسية – أن نستمتع بتخييليتها، فتقنية الميتا – سرد مهما توهمت معها أنك تعالج موضوعا مفهوميا، فأنت تجد نفسك في عمق التخييل، الذي لا فكاك من بذخه وجلاله. في المقابل فرواية الملهمات، تتضمن اعترافات أخرى لأمينة البديع زوجة الناشر عمر، كانت تتم بالموازاة مع اعترافات الأستاذ إدريس.
أمينة البديع أو التداعي الحر للألم.
إن التداعي الحر مصطلح يرتبط بنظرية التحليل النفسي الفرويدية حيث يخضع له المريض النفسي بعد عملية التنويم المغناطيسي وتنجم عنه ما يسمى بالمستدعيات associations، وهي مواد نفسية – شعورية ولا شعورية- يعبر فيها عن شعوره دون حذف أو اختيار قصديين، وتكون على شكل أخيلة أو ذكريات أو زلات، أو عواطف وانفعالات وأحاسيس. أمينة البديع وهي زوجة الناشر عمر، الذي أصيب في حادثة سير مع عشيقته كوثر الأبيض،
مارست هذا التداعي على شكل بوح، بيد أنه يخضع للإشراطات الجمالية والتخييل السردي، إذ لم يكن القصد فيه أن تعالج نفسها؛ ولكن أن تنتقم من خيانات عمر المتتالية، فهي حاولت أن تكون سادية إلى أبعد الحدود. لكن الطبيب الرئيسي سيفاجئها بأن الحديث إلى المريض جزء مهم من العلاج، هي أيضاً كانت محتاجة إلى هذا البوح العاري المكسر لمختلف بروتوكولات البذخ الحياتي، الذي كان يشوش تدريجيا على الحب المورى الذي جمع بينهما ذات شباب، تقول أمينة متوجهة إلى عمر وهو في غيبوبته (لا يهم إن كنت تسمع حقا أو لا تسمع، فلدي على أسوأ تقدير خمسون من المائة من الحظ في أن تسمعني، وهذه نسبة جيدة… وأنت في كامل وعيك لم أكن أملك ولو نسبة واحد في المائة) ص 9.
لقد كانت حياتهما المترفة، والتي لم يزلزل رتابتها قط عوز مادي، العامل الذي جعل المسافة بينهما أوسع. وجعل من التواصل العاشق الذي ميّز علاقتها ذكرى ماضية تأبى أن تعود، لقد كانت سلطة الزمن أقوى من علاقتهما وانمحى معها ذلك اللقب الذي أطلق عليهما أيام الكلية (قيس وليلى)، بما هما أيقونتان على الوجد الخارق والصادق الذي زيّن التاريخ العشقي العربي بقصصه الباذخة وزيّن حياتهما بتلاوينه البديعة. وفي استحضار لذلك الرمز، كان مولودهما الأول يحمل اسم (قيس) تيمنا بهذا التاريخ الجميل. ولكأنها تراتيب القدر برسائله القصية والقاسية، حين سيولد قيس بقلب هش سيودي به في لحظة حاسمة من علاقتهما، ليبدأ النكوص التدريجي بابتعاد عمر عن البيت وينتهي بمغامراته التي أودت آخرها بوعيه كاملا ثم حياته.
يبدو أن أمينة ترمي عبر هذا البوح إلى أن تتحلل من سطوة الفحولة التي مارسها عمر بمركزيته النافذة؛ التي تدلل عليها مغامراته. وتجابهها هي بالصمت، وكان معا يحافظان على استقرار هش تحت مظلة مؤسسة الزواج (وكما اخترت أنت الخيانة لتظل وفيا للزواج اخترت أنا الصمت لأظل وفية لك.. اعتبرت نفسك ذكيا إذ تراوغ بذكاء… وما شككت يوما في ذكائي الذي حفظ مراوغاتك عن ظهر شك… وحفظ سرها… لتظل أنت الأذكى.) ص 63 تقول أمينة. يمكن أن نلمس في هذا المقتطف الحضور الطاغي لأنا عمر، وهي أنا
فحولية تماماً كما صديقه الأستاذ إدريس الكاتب الناجح، رغم أنها تبدو أقل جذرية ورغبة في الإقصاء. إذ يظهر جليا أنها تسعى، ما استطاعت، أن تحفظ سرية علاقاتها؛ لكن في المقابل تبدو أمينة انهزامية أمام منطق الفحولة الصارم.
هي تجعل وفاءها جميعه لعمر وهو يجعل الوفاء لمؤسسة الزواج، هي تفكر فيه فردا، وهو يحمي وضعهما الاعتباري في المجتمع، هي اختارت طريق واحدا هو الصمت، وهو اختار سبلا يتلون فيها بأساليب شتى يجمع فيها بين زوجته والحياة، جعلها في النهاية تكون (لا حية ولا ميتة بل كيسا من الهرمونات ترهل مع الزمن) ص 23. أي أنها صارت في منزلة وسطى بين الحياة والموت، مجرد جسد بلا روح، وهو إحساس يترجم حالها النفسية المهزوزة.
وحين نقارن بين الحضور الكمي لعمر وبين حضور أمينة وباقي القوى الفاعلة في النموذج العاملي، فإننا نلفى أنه يكاد يغيب إلا من بعض مقولاته التي تتذكرها أمينة ويتذكرها الأستاذ إدريس، لكنه غياب الحضور ذو الأثر المزلزل في الخطاطة السردية برمتها، هو مركز الحكي والمخاطب الأوحد لأمينة، والشخص الذي كان يجعل الأستاذ إدريس يوقف بوحه ليذهب لزيارته، بل وحتى كتابة آخر كتابه على الطريقة التي يفضلها عمر وحلم بها طويلا، تلك التي تورط بلذة صاحبها حتى النهاية. عمر هو المرسل الأوحد – بالمفهوم الغريماصي للمصطلح – ودافع الكتابة، ليس فقط لكونه كان ناشرا، ولكن لأنه خلق تنوعا جميلا بين نوعين من البوح: شفهي على لسان أمينة في تداعيها الحر المحزون والأليم، واستبطانات الأستاذ إدريس المكتوبة التي تعالج أسرار الكتابة ورؤاه للوجود، لذا كان الاندياح البهي للحكي علامة على مركزية عمر في البناء السردي، الذي سيصل بقارئه إلى أقصى حالات اللذة الأليمة الناجمة عن كاترسيس لحظة التنوير، حيث عودة عمر من غيبوبته الطويلة، واستقرار نظرته على صديقه الأستاذ إدريس تم على زوجته أمينة في لحظة سادت فيها لغة الصمت بعد ان كان الكلام والبوح في أوجهها، جاءت النظرات لتكسر النفس الحاد للكلام وتعيد الكل إلى التأمل في بلاغة الصمت. وكأن نوستالجيا سريعة تخترق الزمن: نفسه الزمن الذي ينقر على حياة الكسالى ويذكرهم بأنه مارق كسحابة كما يقول عمر، تخضع الأشياء لترتيب مغاير. وأمام جذوة اللقاء بعمر تخرج أمينة من حنقها لتنهار أمام الحضور الطاغي للصمت الذي دانت به قبل أن تقرر بوحها الأليم (أشاح عمر بنظرته إلى اليسار كما لو يبحث عن أحد بالغرفة. استقرت نظرته على أمينة التي كانت تخنق صرخة بيديها تقدمت لتمسك بيده. طالت نظرتهما لبعضهما كشريط بطيء. نظرات تختزل كل الكلام. قبل أن تنتابه حشرجة مكتومة ويغلق عينيه على دمعة. صرخت، وهي منكبة على وجهه: عمر، عمر هل تسمعني؟) ص 194. أمام هذا الجو المشحون بمشاعر الأمل والفرح المكتوم، سيختار السارد نهاية تخيب أفق انتظار قارئه حينما سيخرج الطبيب الرئيس منهزما أمام سطوة الموت، هذا الغياب الأبدي المفاجئ ذي الخبطات الصاعقة والغامضة، عودة عمر القصيرة، كانت أقسى على أمينة وعلى الأستاذ إدريس، وعلى القارئ المتماهي مع الحكي ومع عمر ذي الحضور الطاغي، حتى وهو تحت السلطة القهرية للغياب.
كتاب الأنساق السردية المخاتلة، مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع،
بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2017.
