تعديل الخط
Please wait while JT SlideShow is loading images...
Étincelle dailleursAs Love is Not EnoughAs Love is Not EnoughTAOU2AMlivhis01livhis02livhis03livhis04livhis07livhis08livhis09livpo017livpo018livpo019livpoe01livpoe02livpoe03livpoe04livpoe05LeDroitDePartirlivpoe05AkaleidoscopeLo que el silencio enmudició
Galleries - الألبومات
Please wait while JT SlideShow is loading images...
Photo Title 1Photo Title 2Photo Title 3Photo Title 4Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5
Visitors - الزوار
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

25 - يونيو - 2017

 

 د. عدنان الظاهر:

لا يمل المرء من قراءة هذه الرواية مثنى ً وثلاث َ ورُباعَ ... ينتهي منها ولا يهون عليه تركها دون أن يعاود قراءتها من الصفحة الأولى حتى الأخيرة .  أي سحر وجاذبية أودعت السيدة فاتحة مرشيد روايتها هذه ؟ اللغة ؟ البيان ؟ المنطق ؟ الحبك المتقن ؟ تسلسل الأفكار ؟ عمق القناعة والصدق فيما تقول وتكتب ؟ هل تركت فيها شيئا ً من روحها إنسانةً وإمرأةً وأما ً وطبيبة ؟ ثقافتها المتعددة ؟ كتاباتها وأشعارها السابقة ؟

 تجاربها الشخصية التي قد يتشابه بعضها مع تجارب بطلة قصتها الطبيبة ( أسماء ) ؟ ما أوجه الشبه بين هاتين المرآتين وما أوجه الإختلاف ؟ لماذا كرّست ( فاتحة ) كل هذا الترف اللغوي المتسربل بحرارة الروح الإنساني   وكل هذا الإنفتاح الوجداني غير المتحفظ فكتبت لنا أموراً تستعصي على سواها كتابتها والإفصاح عنها بشجاعة وصراحة وكشف جرئ ؟! ما كانت دوافعها الحقيقية لأن تنفذ هذا المشروع الضخم والمقدام إلى أقصى الحدود ؟
أقرأ النص فأمتلأ بعبق غريب هو مزيج من السحر الفرعوني والطب البابلي وكل ما  في الأرض وما عليها من عطور وأريج وشذا وروائح  معتقة لآلاف السنين في سراديب وأقبية محفورة تحت الأرض أُعدت خصيصاً لإنتاج مِداد ٍ خاص لصنف خاص من الكتابة لا تتقنها ولا تحسن  إستعمال هذا المداد  إلاّ كاتبة مثل ( فاتحة مرشيد ) . نعم ، وأكثر ، أقرأ الصفحات فإخالني دخلت حضرة ولي وضريح شفيع ومقام إمام . تتضوع حولي روائح الأرواح الطاهرة فاُصاب بخدر لا يأتي بعده غير النوم .

حوارات الطبيبة ( أسماء ) مع مريضها وحيد الكامل:

 حوارات الطبيبة النفسانية أسماء مع مريضها خلال حصص التحليل النفسي هي قطع فنية بارعة ومؤثرة وبليغة مصوغة سِدى ً ولِحمة ً من الشعر المترف . كيف إستطاعت ( أسماء ) من إستنطاق مريضها ( وحيد الكامل ) فجاءت ردوده وتعليقاته لا أبلغ منها ولا أحلى وإن ساد الكثير منها كلام ٌ رمزي أو حتى سوريالي لكنه يبقى ضمن دائرة الشعر الجيد. كان يغني لطبيبته وينشدها أشعاراً باللغة الفرنسية فضلاً عن أشعاره الخاصة به . أشعاره هذه بالذات هي من أوقع الطبيبة في شباك حبه . فيا طبيبات العالم ! حذار ِ من الشعر ... حذار ِ من الوقوع تحت تأثير سطوته وسلطانه ! .
نماذج من هذه الحوارات سأضعها بين أقواس مستقيمة مزدوجة.

[[ سألته : هل أنت متزوج ؟ حسب الضرورة . ماذا تعني بالضرورة ؟ أكون متزوجاً عندما تتطلب ضرورات الحياة الإجتماعية ذلك وأكون أعزبَ لضرورة الشعر . أنت إذاً شاعر ؟ يمكن القول إني شاعر ناطق . وهل هناك من شاعر غير ناطق ؟ كل ٌّ منا يحمل ُ شاعراً بداخله ، بعضنا ناطق والبعض الآخر صامت . أتعرف لماذا أنت هنا ؟ أنا هنا بحثا ً عنّي . أليس هذا وكر التائهين ؟ ]].

هذا النوع من الحوارات / وإنْ جاءت من باب جلسات أو حصص التحليل النفساني التي يجريها أطباء أخصائيون في عياداتهم /  تضع أمامي صورة القط والفأر ... إنهما يلعبان ... يمارسان هواية غريزية وميل قوي إلى اللعب . القط  يعرف الهدف من لعبه : الضحك على فريسته ثم إنهاك قواها الجسدية لكي يكون الإنقضاض عليها في غاية اليسر ودون مقاومة. تفعل الفعل نفسه بعض الحيتان شديدة الضخامة إذ تمسك أسد البحر أو الفقمة وترميها عالياً في الهواء ثم تكرر هذه ( اللعبة ) مراراً قبل أن تبتلعها لقمة سائغة ً واحدة لا أكثر . طبيبتنا أسماء ، وغيرها من محللي النفس البشرية المعطوبة ، تحسب أنها تلعب دور القط وأن المريض الجالس أمامها ربما وجِلا ً أو مرتبكا ً أو شاردَ الذهن مشغولاً بمشاكله الخاصة التي لا يجرؤ على الإفصاع عنها ... تحسب أن َّ هذا المسكين لا يعدو كونه فأرا ً عاديا ً يمكن الإنقضاض عليه في آخر حصة من الحصص المقررة للعلاج النفسي . تسدد له ضربة قاضية في الجولة الأخيرة من الملاكمة إذ يصرح لها إنه تعافى تماما ً والفضل لها ولا تتطلب حالته الصحية مزيد اً من حصص التحليل ، والسلام عليكم . إنها ، أسماء ، واهمة ، واهمة جدا ً وواهمة منذ البداية . الضربة القاضية التي ستسددها لمريضها سترتد إلى نحرها . ستكتشف بعد فوات الآوان أن َّ صيدها قد إصطادها وأوقعها في شباكه المتقنة الحبك والنسج . قدمت الطبيبة أسماء  حججا ً ومسوغات  لتبرير وتفسير سر وقوعها في حب المريض الذي عالجت . قالت  شعره قد سحرها . قالت ثقافته . قالت ذكاؤه . قالت كفا يديه . قالت قالت ومن حقها أن تقول ما تشاء ولكن ، حين قالت وتقوّلت أعطتنا الحق في أن نتفحص صدق ما قالت وحقيقة ما إدّعت. لدى تحليل أقوالها وسياحاتها لفا ً ودورانا ً نضع اليد على الحقيقة ، وهي تخالف جذرياً كل دعاواها . فلا الشعر أوقعها في الغرام العاصف غير المحسوب النتائج ولا جمال كفي مريضها الأستاذ الجامعي السيد وحيد الكامل ، ولا بريق عينيه الموحي بالذكاء ولا طريقته في لف وتدخين سجائره  ولا ولا ...كانت هي أصلاً وقبل أن تتعرف على هذا السيد المريض بالسوداوية ... كانت كثمرة التين الناضجة تنتظر الجفاف

على غصنها إذا لم يأكلها الطير أو السقوط على الأرض حيث يأكلها النمل والدبابير أو تدوسها الأقدام . مسكينة أسماء ... لا ننخدع بما إدّعت . لحسن حظها أنقذها من هذا المصير رجل مريض شاعر . أو الأصح ، هي وجدت فيه الرجل المنقذ السهل العريكة والقياد ... رجل ضعيف بمرضه وضعيف ( ربما ) لأنَّ زوجه فرنسية وهو توّاق للزواج من سيدة مغربية . سيدة طبيبة ستسهر على صحته وتصغي جيدا ً حين يُلقي على مسامعها أشعاره الجيدة . وسيقول فيها أشعارَ الرومانس والهوى الجامح والغرام الطافح وهذا نهج ودين أغلب الشعراء . يبحثون عن ( نماذج )
تلهمهم الشعر تماما ً كما يبحث الرسامون عن إمرأة أو رجل يقف أمامهم لإنجاز لوحة ما . حاجة وحيد الكامل لأسماء طبيبته أكبر من حاجة هذه إليه . لكنها وضعت الصورة مقلوبة ... شأن أسماك النهر حين تسمع صوت إنفجار في الماء ... تطفو أو تنقلب على ظهرها. رأت أو وضعت الصورة مقلوبة لأنَ البشر لا يجرأون على قبول الحقائق المرّة ولا يجرأون على مصارحة أنفسهم إلاّ نادرا ً . يقلبون أوضاعهم المأساوية الملموسة فتنكفئ إلى دواخلهم لتستقر في مناطق اللاوعي المظلمة.

كانت أسماء ولفترة غير قصيرة محرومة  من ممارسة الجنس بعد طلاقها من زوجها الأول . حُرِمت من ممارسة طبيعية إعتادت عليها لعدد من السنين . لم تمارسها كما تريد هي . هي عنصر مشارك في عملية تقتضي عنصرين . لم يراع ِ الآخر ، زوجها ، حاجتها بشكل صحيح ودقيق . لم يفهم لغة جسدها وطبيعة هذا الجسد ولم يستطع أن يفسّر نداءات هذا الجسد.  الآن... وجدت نفسها وجها ً لوجه أمام رجل مستعد للتجاوب معها في كل التفاصيل . تختلي به في عيادتها ، تناقشه ، تتقبل دعاباته وأجوبته الغريبة أو الشاذة أحياناً . يتكلم معها فيُخيّل لها إنه شاعر وفيلسوف . يتكلم الفرنسية معها بل ويغني بهذه اللغة . هذا هو الجو والطقس الذي تتمنى بعد إن إنفصلت عن زوجها السابق . الإنسان عبدٌ لعاداته . تعودت الطبيبة أن ترى نفسها متزوجة من رجل هو طبيب جرّاح . راح هذا الرجل فواجهت الوحدة القاسية والكتاب زاخر بالأمثلة طافح بالتعبيرات عن الحزن والملل ثم كونها كانت مصابة بسرطان الثدي وإنها الآن بثدي سيليكوني . بإختصار ... إنها بحاجة إلى رجل يبعدها عن أجواء الوحدة القاتلة ويمارسها جسدياً ويقول الشعر الذي تحب ويطمئن فيها ولها حاجات
كثيرة لا غنى لها عنها منها أن يقول لها : إني أحبك وأنت معبودتي وأنت الشمس والقمر وكل الشعر لك لأنه من وحيك . وقد قالت أسماء غريب مثل هذه الأقوال تقريبا ً في الصفحة 33 وهي تتذكر زوجها الأول  (( كان يردد على أسماعي كلما ضمنا ركن حميمي إنه يحترمني كثيرا ً ، يقدرني ، وإنه فخور ٌ بي ....أنا التي تمنيت ُ أن أسمع َ منه ولو مرة واحدة أنه يحبني ، مفتون بي ، يشتهيني كما لم يشته ِ إمرأة أخرى )) . وهذا لا ريب من أوليات حقوق المرأة على زوجها . تبقى المرأة طفلة ً تفرح بالهدايا
وتحب من يدللها ومن يجعلها تشعر أنها لم تزل طفلة صغيرة لكنها طفلة ناضجة حكيمة في رأسها عقل ...

تبادل الأدوار / حلول المُستشفي في مُشافيه:

كشفت الطبيبة النفسانية أسماء غريب أموراً مذهلة وضعتها أمام أعيننا بشكل فني راق ٍ عالي المستوى . كشفت ذلك أو كشفتها قوى أكبر منها تحركها سرا ً وعلانية ً كطبيبة وإنسان وإمرأة . كشفت أول ما كشفت أوجه الشبه بينها وبين مريضها السوداوي . رأيناها في بعض المواقف وتحت  بعض الظروف حزينة  وسوداوية مثل مريضها . نقل مريضها لها عدوى مرضه . نجح في هذا وكانت التربة والأجواء أساسا ً مهيأة ً لذلك . هي الطبيبة كانت مستعدة لتقبل أو تحريك هذا الحزن وهذه السوداوية / الكآبة ... لا من  فرق . سيدة بنصف ثدي عضوي ونصف آخر صناعي من السليكون . سيدة ناضجة لها جسد ولا كبقية أجساد النساء ، فصلت نفسها عن زوج لم يحترم ولم يقرأ جيداً كتاب هذا الجسد الثائر . يثور الرجال بعقولهم لكن َّ أسماء ثارت بجسدها وهذا فرق كبير بين الرجال والنساء . يثور الرجال بعقولهم مضحين بأجسادهم قتلاً أو إغتيالا ً أو إعداماً أو مرضا ً في السجون والأقبية المظلمة كما كان الحال ُ مع صديقيها عبد اللطيف و رشيد . هنا ليس صعبا ً أن نشخص أسباب حزن وكأبة الطبيبة أسماء . أسوق نموذجا ً لشدة تأثرها بالوضع العام لمريضها وحيد الذي قرأ شعرا ً فقال [[ لم يسبق أن كتبتم رسالة عشق // أو فكّرتم في الإنتحار // فكيف إذا ً تجرأون على قول إنكم عشتم ؟ ]] . كيف تجاوبت الطبيبة مع هذا القول ؟ قالت (( هزتني الكلمات فلم أستطع ْ كبح َ فضولي : هل هذه الأبيات لك ؟ لا ، إنها لشاعر البوسنة عزّت سراييج ....  / ص . 9 )).

لعل أخطر ما في أمر الدكتورة أسماء غريب أنها صارت تتناسخ مع مريضها وتحل فيه وتراه يحل فيها . لاعجب َفي هذا ما دامت قد إنقلبت أو إنقلب عاليها سافلها وخارجها داخلها فغدت  ترى وتتفهم الأمور مقلوبة
( بالمقلوب ) . أمثلة : ذكر مريضها إعتراف سيغموند فرويد لصديقه ويليام فليبس باللغة الفرنسية فعلّقتْ قائلة ً [[ نجح في جعلي أتساءل مع نفسي إنْ كان حقا ً " الذي يشغلني أكثر ، من بين مرضاي ، هو نفسي ذاتها " / ص . 8 ]].
بليغة ٌ هي عبارة الطبيب وعالم النفس الشهير سيكموند فرويد... ميّزتها بالحروف الكبيرة  وبين أقواس صغيرة . المرضى يُحيلون أطباءهم إلى نفوسهم . يجعلونهم يبحثون عن عللهم ومشاكلهم  الخاصة مثلما يبحثون عن علل ومشاكل سواهم / مرضاهم . المريض مرآة طبيبه . يرى ويكتشف فيها ما فيه ... ما في دواخل نفسه . لا وعي المريض الذي يكشفه الطبيب من أعماقه الدفينة يساعد هذا الطبيب  للولوج في دهاليز نفسه المظلمة التي تُسمى العقل الباطن أو اللاوعي . لا وعي المريض إذْ ينكشف يكشف لا وعي طبيبه الكاشف . الوعي المنكَشف للتو مقابل لا وعي لم ينكشف بعد ُ.

ماذا بعد كشف الإثنين معا ً ؟ يشفى المريض ويمرض الطبيب . وهذا بالضبط هو حال الطبيبة أسماء غريب مع المريض الشاعر وحيد الكامل . هو يسترد عافيته فيكتمل لكنها تغدو غريبة بحزنها وسوداويتها.
أثّرَّ المريضُ وحيد فيمن تعالجه منذ الحصة الأولى للعلاج . نسمع ما قالت الطبيبة أسماء (( وعندما نام كلُ  مطمئن ٍ ، وجدتني أمام الكومبيوتر أبحث عن إسمه ضمن لائحة الشعراء على شبكة الإنترنت / ص . 10 )) . شرعت بملاحقته من خلال أشعاره . هل كان هو مَن لاحقت أسماء أم أشعاره ؟ أرى إنها لاحقته عَبر َ هذه الأشعار . هو أولا وهي ثانياً ... وقد قلبت الصورة والوضعية رأسا ً على عقِب . تخدع لاشعوريا ً نفسها.

كلماتٌ أُخرُ  تلقي مزيداً من الضوء على دعاوى الإفتتان بشعر وحيد الكامل كتوطئة لتبرير إيقاع  نفسها في حب هذا الرجل ... توقعها غريزتها الجنسية الطبيعية في هذا الحب ... صراخ وإحتجاج الحرمان العالي بعد الطلاق .

 [[ تصفحت ُ أوراقه واحدة ً واحدة وأنا أبحث بين السطور عمّا يساعدني على سبر أغوار ذاته . كلماته قطرات عطر معتّق ... تتسرب ُ عَبر َ المسام ... تستنفر الحواس ... لا تدع ُ لك حيزا ً للهروب منها ... تلبسك ... تضمّك ... تؤلمك ... تُبكيك ... تلقيك أرضا ً عند قدميها ... وتطلب أنت المزيد / ص . 15 )).

في هذا الكلام بلاغ واضح لكل الرجال وكل من يعنيه الأمر : تلبسك تضمّك تؤلمك تلقيك أرضا ً ... لا أجد هنا مجرد كلمات تصف قوة تأثير الشعر على إمرأة ، إنما كانت هذه المرأة  في واقع الحال تمارس الجنس بعينه وعيانه . كانت تمارسه مع أشعاره بدلا ً منه كأنها تمارس العادة السرية . (( تلبسك )) ... وفي القرآن عن النساء (( أُحل َّ لكم ليلة َ الصيام ِ الرفَث ُ إلى نسائكم هن َّ لباس ٌ  لكم وأنتم لباسٌ لهن َّ ... 187 / سورة البقرة )). كلمات تتسرب عَبر المسام وتستنفر الحواس. تسرّب إلى الداخل وإستنفار للجهاز العصبي للإنسان ... إستنفار كامل جنسي وغير جنسي ... هيجان . مسكينة الطبيبة الجريئة الثائرة أسماء ... يقهرها لا وعيها فيفضح حرمانها من ممارسة جسدها بالجنس . لمن هذا الجسد أو البدن إذا ً ؟ للتراب والدود في نهاية المطاف؟
 مثال آخر على ظاهرة حلول المريض في طبيبته . قالت / ص . 35 :

[[ في الطريق إلى بيتي أحسست ُ برهبة تنتابني وأسئلة تلح ُّ علي َّ : كيف أعادتني حصص ُ علاجه إلى نفسي ؟ أَتراني أُحلله أم إنه يحللني ؟ ]] .
لا تدري الطبيبة المختصة بالطب النفساني مَن يُحلل مّن ؟ إختلطت عليها أمورها فتبادلت الأدوار . مع من تبادلت الأدوار يا  تُرى ؟ مع مريض بعينه ... الشاعر والأستاذ الجامعي وحيد الكامل . ولهذا الأمر أكثر من دلالة.
ثمة َ من مقطع قصير آخر يرينا إلى كم كانت الطبيبة أسماء غريب متولهة بمريضها الشاعر / ص . 42 [[...  فاجأني وهو يغني بالفرنسية هذا المقطع من أغنية " العشاق القدامى " الرائعة بصوت رخيم دافئ وأداء مُتقن ... قلت في نفسي ، وأنا أنشدُ في صمت " كلُّ  متاع  ٍ  يتذكرُ في هذه الغرفة الخالية من مهد ، دوي َّ العواصف القديمة "  ... الله ... هي فعلا ً أغنية جميلة ، لكن َّ صوته  أجمل ]] .  يغني بصوت رخيم دافئ وأداء متقن ... صوته أجمل !! كلمات جميلة لكنها في واقع الحال حبل متقن الصنع تضعه في رقبتها لتجر َّ به نفسها لذاك الرجل الذي أحبّت دون تحفظات . مقطع آخر / ص .   59
[[ ... وتمنيت ُ أنا اللحظة لو كنت ُ نحاتة ً لأُعيد َ صياغة يديه ... آه من يديه ، وهو أمامي يسبر أغوار روحه ، كانت تتكلم كل اللغات . يداه ُ التي مُدت إلي َّ من تحت موج غاضب تطلب النجاة ... وإذا بها تجرفني فأجدني أمام "  باب الجحيم "  عند مدخل الحديقة ]]  . ثم َّ / ص . 82 :

[[ وكيف يوصلني مريض ٌ تائه ٌ حاول الإنتحار إلى مرافئ ذاتي ؟ .... وها هو مريض يتخبط في أمواج وعيه ولا وعيه إستطاع أن يمنحني الأمان للإبحار بعيدا ً في محيطات الذاكرة . أعادني للقراءة ، صالحني مع القلم ومع جسدي ]].

 أرى أن َّ هذه الظاهرة تحتاج إلى الكثير من الدراسات للكشف عما يجري في أعماق النفس البشرية لكل من الطبيب المعافى والمعالج ومرضاه . ستكشف لا شك َّ هذه الدراسات عن أمور مذهلة مشتركة بين الناس الأصحاء والمرضى . هناك تيارات عميقة في مناطق مظلمة من نفوس البشر يشارك الكل فيها مدا ً وجزراً ولا عجب ، فالبشر جميعا ً من طينة واحدة متشابهة.

أشعار الرواية:

خروجاً عن القصد الرئيس المنصّب على دراسة وتحليل رواية ( لحَظات لا غير ) للدكتورة فاتحة مرشيد ... طاوعتني أو فلأقل ْ أجبرتني النفس الأمّارة بالسوء أن أسعى إلى جمع الأشعار التي وردت في هذه الرواية حسب تسلسل الصفحات  فيها. ما دوافع ودواعي هذا المسعى الإضافي؟
سؤال وجيه يجد جوابه في شدة تأثري بالكثير من هذه الأشعار . نعم ، وجدتها  رائعة محيرة أخّاذة مترفة في إيحاءاتها غنية في صورها بليغة في تركيزها حتى لقد ذهب بي الظن ُ إلى أنها قد تكون من وضع السيدة فاتحة مرشيد نفسها وإن نسبتها لشاعر كان سوداويا ً وأوشك على الموت إنتحاراً ... لشاعر لا وجود له إلاّ في روايتها أعطته إسم ( وحيد الكامل ). يشجعني على الأخذ بهذا التكهن دراساتي الأربع التي قمت بها لثلاثة  من كتب الدكتورة فاتحة في الشعر المنثور . حتى إني أستطيع المغامرة بالزعم  إني قادر على تشخيص شعرها من بين شعر العديد من الشواعر . ثم َّ ، خصّني مصدر موثوق همسا ً بما يعزز إستنتاجي هذا . ونحن في إنتظار ما ستفصح عنه الشاعرة الطبيبة الروائية السيدة فاتحة مرشيد .

أشعار الطبيبة أسماء وتلك المنسوبة لوحيد كامل  :

رويدك ِ يا إمرأة ْ
ما كنتِ
ولن تكوني البديل َ
فبعد رحيل الشمس ِ لا يُرهبني رحيل ُ .

تريّثي قليلا ً
يا إمرأة َ العَتمة ْ
إني لأسمعُ الزمن َ حصانا ً جامحا ً
يركض ُ خلفنا .

أين لي بكأس ٍ
تصرع ُ هذا الدوارَ
وأنا أتأرجح ُ بيني وبيني ...
صحو ُ نهديك ِ لا يُغريني .

هزمته ُ الأنوثة ُ
يوم َ تورّط َ في إمرأة ٍ
تحب ُّ النساء ْ .

كل ُّ حب ٍّ ولادة ٌ ...
وكل ُّ ولادة ٍ من نار ْ
فلنحترق ْ بألسنة ِ الشموع ِ وليكن ْ
ليلُنا وعدا ً
بخراب ٍ ناصع البياض ِ .
أين َ لي بالهُناك َ
والهُنا لا يسع ُ تبددي .

لو كان بالإمكان ْ
وهبت ُ البهلوان ْ
حبالي
 وتواطأت ُ مع المتفرجين ْ
على سقوط ٍ ممنوع ٍ دون الأربعين ْ .
لو كان بالإمكان ْ
قفزت ُ إليك َ قُبلة ً واحدة ً
بدل َ تلعّثمي على الورق ِ اللعين ْ .

أفتقد ُ رَقصة َ الأطلس ِ
على سطح ِ التيه ِ
غفوة َ الرعشات ِ عند الغَسَق ْ
وصحوة  ً كصباحاتنا نائمة ْ .
لا تدع ِ المسافات ِ تطوي بالصمت ِ  قصتنا .
سفني إشتهاء ٌ
ومرفأك َ قِبلة ٌ للصلاة ْ .

ربما قد أصحو
وأجد ُ شخصا ً عاريا ًمثلي
إلى جنبي ،
في عزلة ٍ لا متوقعة ٍ
وبعينين ِ مَدينتين ِ لليل ِ ،
يُحدثني عنك ِ
 ويسألني عن حكاية غيابك ْ .
خذي شفتي َّ ،  فبعد الآن لن أحتاجهما .

قد يكون ُ لك ِ
ما كتبتهُ قبلك ِ
وقد يكون ُ ليس لك ِ
ما كتبتهُ معك ِ  .
ما هم َّ طول ُ أو قِصَر ُ الصور ْ
ما هم َّ لون ُ بحر ٍ أنت ِ ملحه ُُ .

هنا أنسى
تاريخي َ المعتاد ْ
هنا تسقط ُ الأشياء ُ
كالشَعر ِ الهش ِّ
لا جُرح ٌ بفروة ِ الرأس ِ
لنا عند الفراق ِ لقاء ٌ
فاحمليني على رائحة ِ عطرك ِ
لأعبرَ بين الموت ِ والحياة ْ .

هذه هي الأشعار التي وردت في رواية الدكتورة فاتحة مرشيد  (( لَحَظات لا غير ))  منسوبة إلى وحيد الكامل ...  ولا أحسبها إلا ّ أشعار َ السيدة فاتحة لا غيرها . أراها فُصّلت وصممت خصيصا ً للرواية ولأحداثها الدرامية ولأبطالها المكسورين المتأرجحين بين الأمل واليأس ...الصحة والمرض ... الحب والخذلان ... الزواج والطلاق ... ليكون الختام موت الشاعر بسرطان الرئة الخبيث بعد أن جرّب الحياة عريضة متشعبة أثناء دراسته في باريس وساح بين النساء الباريسيات وأحب َّ طالبة ً مِثلية
( سحاقية ) فنانة . وحين أكمل دراسته عاد إلى وطنه المغرب بصحبة

( سوزان ) زوجه  الفرنسية . تبادلَ الحب الناري مع الطبيبة ( أسماء غريب ) فأُضطر إلى الطلاق من ( سوزان )  والإقتران بهذه الطبيبة التي عانت بدورها من سرطان الثدي ثم الطلاق من زوجها الأول الطبيب الجراح .
لوحات حزينة لأحداث مأساوية رسمتها ( فاتحة مرشيد ) بالجمل الموسيقية الشديدة التأثير في النفس البشرية ... سمفونية إنسانية عالمية الأفاق  تذكّرني بموسيقى اللحن الجنائزي الحزين الذي يحمل عنوان
[ موت أوزا ] لمؤلف موسيقي غربي لا يحضرني إسمه في هذه اللحظات.

حققت المؤلفة أقصى درجات النجاح في كافة الموضوعات التي تعرضت لها صغيرها وكبيرها .  ساعدتها لغتها السليمة والمحكمة والشاعرية في روحها على بلوغ هذا السمت العالي من النجاح . فضلا ً عن سعة وعمق ثقافتها وقدرتها كطبيبة على الغوص في نفوس البشر والخوض في مشاكلهم الإجتماعية والنفسية والجنسية . لقد بينت وبرهنت على قدراتها المنوعة والدقيقة في رصد الحاجات الجنسية للمرأة والرجل والتعبير عنها بالوصف أو الممارسة الحقيقية دون حاجة إلى أقنعة وتحايل وإلتفاف . بارعة بارعة هذه الطبيبة والشاعرة والآن الكاتبة الروائية الفذة . لغتها ... جرأتها ... ثقافتها وخبراتها الإجتماعية إجتمعت بتناسق وتناغم وإنسجام عجيب  لتقدم هذا الإنجاز الرائع . الثقافة سماؤها واللغة أرضها . وهي ، بجسدها الثائر مثل سبارتاكوس قائد عبيد روما ،  تحلّق هناك بخيالها عاليا  وتمشي هنا بثبات وثقة وعزيمة . في عملها هذا إلتقت وتوحّدت السماءُ والأرض .  إجتمعتا فيها فكانت رواية [[ لَحَظات ... لا غير ]] .

جريدة "يومية الناس" 7 أبريل 2007 العدد 166
www.alfawanis.com
www.sotaliraq.com

    الرجوع