تعديل الخط
Please wait while JT SlideShow is loading images...
Étincelle dailleursAs Love is Not EnoughAs Love is Not EnoughTAOU2AMlivhis01livhis02livhis03livhis04livhis07livhis08livhis09livpo017livpo018livpo019livpoe01livpoe02livpoe03livpoe04livpoe05LeDroitDePartirlivpoe05AkaleidoscopeLo que el silencio enmudició
Galleries - الألبومات
Please wait while JT SlideShow is loading images...
Photo Title 1Photo Title 2Photo Title 3Photo Title 4Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5
Visitors - الزوار
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

18 - غشت - 2017


عبد السلام المساوي:

يعرف الشعر المغربي ـ راهنا ـ تواترا مطردا في استقبال الأسماء والتجارب الجديدة، ويصعب على المتابع المتمرس أن يحيط بكل ذلك الكم بعد أن زالت عراقيل الكتابة والنشر، بسبب هبوب نسائم الانفتاح، وتقدم أسباب الطباعة. ثم إننا لم نعد ننتظر مرور سنوات طويلة، قبل أن يبرز اسم شاعر)ة(، ويترسخ في المشهد الأدبي، ويصبح له حقه المشروع في الاعتبار الرمزي؛ بعد أن يكون قد مر بمراحل معاناة الكتابة وتلمس طريق شائك نحو الشهرة.

        لقد ربح الأدب المغربي ـ اليوم ـ أو أوشك على ربح رهان الظفر بأسماء وتجارب جديدة، للأسباب المشار إليها سابقا، ولتطور قنوات التواصل والتوصيل. ولم يعد التعبير الفني والجهر به حكرا على ثلة من الأدباء الذين وجدوا أنفسهم ـ زمنا ـ  قريبين من درس الأدب بحكم الدراسة والتدريس. أو الذين اتخذوا هذا التعبير ـ بالأمس ـ وسيلة لطرح الموقف الإيديولوجي في نسيج له من الأدب أو الشعر هيكل الإطار وله في المحتوى الاجتماعي والسياسي أنهار وبحار، وإن كان لذلك التوجه مبرره المرحلي، وأفقه المشروع في الحاجة إلى تحقيق الضروري في الحياة والحرية. أما الشرط الجمالي فلم يكن يشكل إلا جانبا جزئيا خجولا من جلال الأولويات.

لقد اختصرت الأجواء الثقافية والحضارية الجديدة أزمنةَ وشروط إنضاج الأسماء، وفتحت الأبواب برحابة لكل من يريد الإدلاء بدلوه في عالم الكتابة، خصوصا بعد أن ضمرت هيبة التأثير التي كانت تستأثر بها المؤسسات السياسية الرسمية والحزبية، وبعد أن تعددت وسائل النشر الورقي والإلكتروني، ولم تعد الكتابة مرهونة بتعلم قواعد العمود وبنود التقييد. وفي حيرة المتابعة والاختيار أمام الكم الهائل من الأسماء والنصوص، تظهر ـ أحيانا ـ بعض اللمع التي تلفت النظر بما تقترحه من نكهة جديدة في الكتابة الإبداعية، أو خصوصية في تصور للمفهوم الشعري والجدوى المرتبطة به. فقبل سنوات قليلة عرف مشهدنا الشعري المغربي طلعات أنثوية لشواعر استطعن أن يثبتن جدارتهن في مطاولة القصيدة ، وليعلن بالصوت العالي أن قلب المرأة يكتنز في دواخله أمشاج الخلق وأسباب الإبداع الشعري. ولا أدل على ذلك من السرعة الفائقة التي تشكلت بها صور بعض شواعرنا، وأثبت إنتاجهن المنشور أن علاقتهن بالكتابة ليست وليدة اليوم، وإنما كن يبدعن في السر، ويحتفظن بذلك للوقت المناسب. ويمكن الاستشهاد على سبيل المثال بأسماء مثل عائشة البصري، وإكرام عبدي، وفاتحة مرشيد، وغيرهن.

        مناسبة هذا التقديم الذي وجدته ضروريا لإماطة اللثام عن ظاهرة ظهور أسماء فجأة بنصوص قوية، هو صدور ديوان جديد للشاعرة فاتحة مرشيد بعنوان "تعال نمطر" عن دار شرقيات بالقاهرة، بعد ديوانيها "إيماءات" 2002 و"ورق عاشق" 2003، اللذين لم يمض على صدورهما سوى زمن قصير، لا يتعدى الأربع سنوات. والمعروف أن الشاعرة وفدت على الشعر من باب عيادتها الطبية، الشيء الذي يمنحها امتيازا اعتباريا أقوى، لما ترسخ عن مهنة الطب من حيثيات البعد عن الرمزيات والإيغال في ما له صلة مادية وعلمية بالإنسان جسدا وروحا. ومعلوم أن الأطباء الأدباء في بلادنا وحتى في البلاد العربية، في حكم الشيء النادر جدا، ولذلك تستحق هذه التجربة أن نقف تحت مطرها بلا مظلة محاولين الاقتراب من بذور الخصوبة التي تهجس بها نصوص ديوان "تعال نمطر".

     إن الدعوة إلى الإمطار، هي دعوة إلى ممارسة الخصوبة بأي معنى من المعاني التي نريد؛ بالمعنى الحرفي أو المعنى المجازي. فبالحرفي، نستعير فعل السماء أو الطبيعة، ويغدو الإمطار استدرارا للماء الذي به تستمر الحياة. وبالمجازي نفتح الدلالة على كل ممكناتها، فيصبح الإمطار توسيعا للسلوك الإيجابي الذي يمارس على أكثر من مستوى، والهدف: تجميل الحياة ورفدها بكل أسباب السعادة والعيش المطمئن. ولعمري فالشعر باعتباره فنا، يصبح وسيلة لتحويل الشر إلى خير، والقبح إلى جمال. سواء اعتمدنا المعيار الأخلاقي في هذا السياق، أو اعتمدنا الوازع الوجداني والفكري والجمالي. "تعال نمطر" إذن، دعوة إلى ممارسة الأفعال السحرية التي تخدم الأهداف التحويلية المومأ إليها أعلاه.

         يتضمن هذا الديوان ثلاثة أعمال، هي على التوالي: "تعال نمطر" و"علمني الليل" و"أشياء الغياب". ووجود هذه الأعمال الثلاثة بين دفتي كتاب واحد، يطرح سؤالا مركزيا على المتلقي: ما الذي يبرر اجتماعها على هذا النحو تحت يافطة عنوان واحد؟ هل هو الرغبة في تحقيق كمّ من النصوص يجعله مكونا لديوان قابل للنشر، أم أن الأمر يتجاوز المستوى الفيزيائي إلى المستوى الكيميائي، أي إلى طبيعة التجربة البيوغرافية والجمالية التي تجعل أجزاء هذا الكتاب الشعري متآلفة في سياق عمل فني واحد منسجم ومتناغم؟
    أول خصيصة يلحظها المتلقي في جل نصوص الديوان، حضور الذات في مقام المتكلم المخاطِب، وحضور الآخر في مقام المخاطَب. وإذا كانت تيمة الحب تكاد تهيمن على سائر أجواء النصوص، من خلال معجم رقيق وشفاف، وتركيب ميال إلى الإيجاز والتكثيف، ضمن نصوص قصيرة أو أخرى طويلة ومقطعة إلى فقرات قصيرة، فإن تيمة الحب هاته، تنفلت من المعنى التقليدي الذي كونه الناس عن الحب، وخصوصا في ما صاغوه من أشعار، حيث يبدو المحب ـ خلالها ـ متولها ومخذولا يكابر سكرات هيامه، إلى معنى جديد فرضه التطور الحضاري والسياق الاجتماعي للحياة المعاصرة؛ حيث تبدو الذات في نصوص "تعال نمطر" متوازنة، وماسكة بخيوط العلاقة. وحيث يبدو الآخر خاضعا لتقلباتها، منفعلا بما تمليه من أوامر أو تحويلات. بل إن الذات في كثير من الأحيان تعاند وضعها، وتعيد ترتيب الأمور بهدف الظفر بما يمكنها من بناء انسجامها:
    تبحث تحت قميصي
    عن رائحة طفولتك
    أبحث
    بين شفتيك
    عن قصيدة
    تشبهني
    تريدني أخرى
    أريد رجلا
    يعيدني إلي    (الديوان، ص 15)
فالذات ممعنة في ذاتيتها، آخذة في البحث عند الآخر عن عناصر شبهها، أو على الأصح تريده واحدا متوحدا ومتماهيا مع كينونتها، لا أمل له في أن يكون له ظله المختلف:
    أشبحك
    أم ظلي
    هذا الذي يغفو
    على أرقي
    أم أنه
    شاهد غياب
    يبحث عن يقين   (الديوان، ص17)

    هكذا تمضي مقاطع القصيدة الأولى في محاولة تدجين الآخر، وتلقينه دروسا في ما ينبغي عليه أن يفعل، حتى يصبح جديرا بما ترسمه له الذات من مصير. إلا أنه يبقى مصيرا معلقا على شفا الخيال، وأرجوحة الصد والوصال. كأن في الأمر تنكيلا لذيذا به، قبل أن يصبح طيعا ومرنا، وعندئذ يمكنه دخول طقس الذات من أبوابها الواسعة. ويتحقق المطر المرغوب فيه، أيا كان هذا المطر شآبيب عاصفة، أو قطرات تنز من فم الرغبة، وهذا ما يهجس به المقطع الأخير:
    وتعال نمطر
    قد تعتق الشوق
    في دنان الخاطر
    ولا نديم يشبهك    (الديوان، ص49)

    في العمل الثاني الذي يحمل عنوان "علمني الليل" يحدث أن تتخلى الذات عن عجرفتها وكبريائها، لترفع للآخر مكانة سامقة؛ وكأن الأمر متعلق بتأرجحهما بين الأخذ والرد، والهجوم والتراجع. كما يحدث أن تتحول فورة الحب إلى خطرات فكرية وفلسفية تخفف من إنشائية الوجدان. هكذا تصبح علاقة الذات بالآخر مرهونة باليومي الذي يطوح بالمجردات، وبالواقعي الذي يجعل الذات تلتفت إلى واجباتها، مثلما نجد في نص "ليتني رحم"، عندما يطفو صوت الأمومة على كل صوت آخر:
    ليتني
         رحم
    بحجم سريره
    أحتويه
    كلما غضبت السماء
واغرورقت
         عيناه
           ولدي     (الديوان، ص110)

أو عندما يعلو صوت الالتزام في مجتمع لا يكن احتراما لحق المرأة في أن تكون شاعرة، ويرميها بأقسى النعوت لأنها تجرأت على التعبير مثلما يفعل الرجل؛ فلا مندوحة من أن يصبح الشعر سلاحا للمواجهة، ولو بنفحة صغيرة من السخرية:
    يصلبون رحمها
    ويبحثون
    في قطرات الدم
    الجافة
    تحت التراب
    عن قلم
            رجل    (الديوان، ص113)

             أما في العمل الثالث "أشياء الغياب"، فإن العنوان دال بامتياز على مسمياته، حيث تقيم الشاعرة علاقة تفاعلية بين الكائنات والأشياء، مختبرة بذلك مدى قدرة الاستعارة على الانصياع لقصيدة النثر، إلى مستوى تقويض الأساس البياني، وتعويضه بصور عبثية، تكون الأشياء فيها نائبة عن الكائنات. وما يخفف من جذوة عبثيتها هو الغياب الذي يرين على النافذة والأريكة والكأس. أما الذات فتميل إلى تبريده ـ كعادتها ـ ومنذ البداية بزخات مطرية، وبلهاث بحر وفيّ لتقلباته.
         ويحدث أن تلعب كيمياء الشعر بمكونات الصورة، وينجح محلولها السحري في خلط نسب من الواقع بِنِسَبٍ من الروح، ضمن عملية احتيال شعري كبيرة، في أفق الإطاحة بالسأم الناتج عن الغياب:
    مقعد
    يجلس
    في زاوية القلب
    مقابلا لحسرتي
    شاغرا
    يملؤني
    كلما أمطر
    غيابك
    ألبسته معطفي (الديوان، ص 121)

         هكذا تغدو اللحظة الشعرية خالقة للنقيض، ومقيمة للتوازن اللازم الذي يحمي من الأعطاب الممكنة التي يسخو بها قدر الغياب. وهكذا أيضا يعلن صدور هذا الديوان بزوغ لحظة شعرية دالة في المسار الذي افتتحته الشاعرة المغربية فاتحة مرشيد، بعد ديوانيها السابقين "إيماءات" (2002)، و"ورق عاشق" (2003)، ليتأكد بالملموس أنها تضرب في عمق الإبداع، وتطلع نصوصا لافتة للانتباه، بما تحمله من المياه الشعرية، لكونها تؤمن بجدوى الشعر، وبما يمكن أن تؤسسه هذه الجدوى من العوالم الرمزية الخاصة، في سياق لغة يغلب عليها الميل إلى الاقتصاد والإيجاز، بعيدا عن الانبهار بالصور اللفظية والحمولة المعرفية الفائضة عن الحاجة.
       وخلاصة القول أن نصوص الشاعرة فاتحة مرشيد وفقت في أن تجمع بين البساطة والعمق، وهذه إحدى سمات الأدب الرفيع، الذي يصل إلى القراء جميعا بمستويات تلق متفاوتة. والشاعرة خلالها تبدو مأخوذة بشعرية الفكرة، ولذلك فمعظم متخيلها يأتي في إطار صور ذهنية، حتى لكأنها تنتصر لجوهر الشعر أكثر من انتصارها للغة بحد ذاتها. ومن ذلك يتأتى لها أن تبني الصور دون التفات إلى مواد البناء ومنهجه؛ تعينها في ذلك موهبة بارزة، ومحبة للحياة تحلم بأن تتحقق في قصائدها.

 

مجلة "آفاق"(مجلة اتحاد كتاب المغرب)، نوفمبر 2006 العدد 72
www.raya.com

 

    الرجوع