تعديل الخط
Please wait while JT SlideShow is loading images...
livhis01livhis02livhis03livhis04livhis07livhis08livhis09livpo017livpo018livpo019livpoe01livpoe02livpoe03livpoe04livpoe05LeDroitDePartirlivpoe05AkaleidoscopeLo que el silencio enmudicióTAOU2AM
Galleries - الألبومات
Please wait while JT SlideShow is loading images...
Photo Title 1Photo Title 2Photo Title 3Photo Title 4Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5
Visitors - الزوار
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

24 - أبريل - 2017


عبد الرحمان مجيدالربيعي:

الشاعرة المغربية فاتحة مرشيد طبيبة (أولا) وربما تكون هكذا (ثانيا) حيث يسبق الشعر الطب فهو قرين أحلام الشعراء الأولى منذ فتحوا عيونهم للدنيا وتنفسوا هواء العالم.
ونقول استطرادا إن فاتحة مرشيد ليست الطبيبة الأولى التي عنت بالشعر ولن تكون الأخيرة فهي حلقة في سلسلة طويلة ممتدة، وأمامنا في المشهد الأدبي العربي أسماء كثيرة وإن كان أغلبها ينتمي الى عالم السرد أكثر منه الى عالم الشعر.

في مصر نتذكر القصّاص يوسف ادريس الذي هجر الطب وأغلق عيادته ليتفرغ للكتابة احترافا، ومن الجيل التالي علاء الأسواني طبيب الأسنان الذي يذهب كل يوم الى عيادته في قلب القاهرة ليرمم الأسنان ويقتلع ما فسد منها .
وقد عرف الأسواني بقوة بعد نجاح روايته "عمارة يعقوبيان" التي تحولت لفيلم سنيمائي معروف يجري عرضه في مهرجانات تونس وفي أكثر من دار سينما هذه الأيام.
وللأسواني رفيق هنا يكتب السرد الجميل منذ الستينات هو محمود بلعيد طبيب الأسنان المعروف الذي لا يدري كثير من مرضاه أنه كاتب نير وقصاص متمكن.

وإذا أردت أن أضيف فهناك أمثلة كثيرة من كل البلدان العربية، كالمرحوم عبد السلام العجيلي الطبيب وأحد رموز الكتابة السردية في الوطن العربي وحتى الوزارات التي شغلها في بلده ليس بينها وزارة الصحة بل الخارجية والثقافة عدا عضوية مجلس النواب مرارا.
ومن بين أبرز كتابات القصة في سوريا نجد هيفاء بيطار التي حرزه ذات مرة على جائزة البنك المركزي التونسي، وقبلها كانت انعام المسالمة التي عرفت كتاباتها في سوريا منذ الستينات وهي طبيبة أسنان كذلك.
إذن الشاعرة فاتحة مرشيد ليست نبتا وحيدا بل هي منخرطة في سلالة طويلة.

ولكن ما يميز فاتحة مرشيد (وقد تعرف عليها أهل الشعر في تونس عندما نظم لها بيت الشعر أمسية في مبناه، قرأت عصائدها وأجابت عن أسئلة وجهت لها حول الطب والشعر وكان هذا قبل ثلاثة أعوام تقريبا وكانت تحضر مؤتمرا طبيا انتظم في مدينة الحمامات).
أقول إن ما يميز فاتحة هو أنها طبيبة أطفال هذا هو اختصاصها  واللافتة التي تتصدر التي تتصدر عيادتها في الدار البيضاء تقول هذا، وأضيف أن لها كتابا في هذا المجال عنوانه (لاسعافات الأولية للطفل) وقد صدر عام 2005 في المغرب، وهو كتب مهم في موضوعه إذ أن الأطفال قد يتعرضون لحوادث لم تخطر في البال أبدا.
وما بين الطفولة والشعر هناك علاقة متينة وقوية ربما أكثر متانة من فروع الطب الأخرى.

وقبل أن ندخل عالم ديوانها الجديد "تعال نمطر" الصادر في القاهرة عن دار الشرقيات نذكر أنها أصدرت قبله ثلاثة أعمال شعرية هي: "إيماءات" ـ دار الثقافة ـ الدارالبيضاء - 2002، "ورق عاشق" ـ دار الثقافة أيضا عام - 2003.
كما صدر لها ديوان عنوانه "أي سواد تخفي يا قوس قزح" ـ منشورات مرسم ـ الرباط - 2006.
وعندما تقدم الشاعرة على توسيع الرقعة الجغرافية لانتشار قصائدها فإن هذا متأن من يقينها بأن لهذه القصائد مكانة بين ماينشر من شعر وأن المبدع الذي لايستطيع الوصول عليه أن يذهب بنفسه.

والقاهرة لها سحرها في النشر وفي الانتشار وكثرة الأسماء وحركية الحوار والاختلاف رغم أن هذه المواصفات ليست غائبة عن الحركة الثقافية في بلادها.
ونعتقد أن صدور " تعال نمطر" من القاهرة وعن دار نشر عرفت بتقديم الأعمال الإبداعية الجادة المترجمة أو الموضوعة من شأنه أن يفتح للشاعرة نوافذ أخرى لتحاور قصائدها المنجز الشعري العربي في عاصمة من عواصم الثقافية فيه.
بعد هذا التقديم سنتصفح الديوان في مقالنا التالي.

هناك رأي هو بمثابة استنتاج توصلت إليه بعد قراءات كثيرة لنصوص إبداعية كتبها مبدعون لم يكن الأدب اختصاصهم الأكاديمي وهو أن هؤلاء أكثر قدرة على تجديد الكتابة والخروج بها من نسقيتها وضوابطها إلى مايضيف ويثري ويخرج على المألوف المنحط مع إيماني بأن لكل قاعدة ما هو خارج عنها.
أذكر مثالا أن الذين كتبوا الرواية الجديدة في فرنسا كانوا بعيدين عن دراسة الأدب، ألان روب غرييه مهندس زراعي كما أتذكر، ورائد القصة القصيرة وأحد كبار معلميها في العالم تشيخوف كان طبيبا ومقابله العربي د.يوسف إدريس الذي لقبه بعض النقاد بتشيخوف العرب كان طبيبا.
لا بل أنني وتواصلا مع الرأي اكتشفت أنه لايتوقف عند الكتابة فقط بل يتعداها إلى مجالات إبداع أخرى فالرسام العراقي علاء بشير الذي اكتسب صيتا عالميا هو طبيب جراح، ومن أمهر جراحي التجميل. ومن هنا كانت لوحاته وكذلك أعماله النحتية ثورة بكل ما تعنيه الكلمة وهو مدهش إلى أبعد حد (نشير إلى أن علاء بشير أعاد في الثمانينات يد عامل قطعت من الرسغ بحادث و قد كتبت الصحف وقتها كثيرا عن هذا العمل في العراق وخارجه).
وإذا أردنا أن نلاحق الأمثلة فهي كثيرة العدد ويبدو لي وأقول هذا استطراد إن الذين يجيئون الكتابة من اختصاصا أخرى يتعاملون مع الكلمة بحرص كبير فهي بالنسبة للأطباء منهم كمية من الدواء أي زيادة فيها تحول الفائدة إلى ضرر، ولذا نراهم لا يفرطون فيها وتصبح وسيلة لهم أكثر مما هي غاية . يتضح هذا في النصوص الشعرية كثيرا باعتبار الشعر فعل تقتير بالكلمات أكثر منه فعل استطراد وثرثرة ، أي أنهم يمتلكون القدرة على تفعيل الكلمة ضمن نصوصهم وعدم تسطيرها مجانا في ثرثرات إنشائية زائدة.

تهدي الشاعرة فاتحة مرشيد ديوانها هذا (إلى الذي لايحلو المطر دونه).
ولعلنا لا نتعسف على الديوان عندما نقول إن فيه ثلاثة اشتغالات الأول (تعال نمطر) لكونه جاد في القصيدة واحدة بمقاطع مرقمة في العنوان نفسه والثاني (علمني الليل) ويضم مجموعة من القصائد (22 قصيدة قصيرة) والثالث (أشياء الغياب) ويضم قصيدة واحدة بهذا العنوان وهي قصيدة في مقاطع مرقمة شأنها شأن (تعال نمطر).

ولكن كل القصائد التي توزعت على ثلاثة، اشتغالات(عنّ لي أن أستعمل مفردة اشتغال بدلا من عنوان) هي قصائد من مناخ واحد وبحبور لغوي دقيق التكثيف. لانستطيع أن نزيد أو نحذف منه ومهما تقصر مقاطع القصائد فإنها تروي القارئ وتنتزع منه كل ظمإ ممكن.
أما إذا أردنا التوقف عند الأمثلة فأستطيع القول إن الديوان كله مثال، وما دام من الصعب كتابته كاملا أكتفي بنماذج منه:

(لُمني من خلاء الروح
وردة برية
قبل أن تدوسني قدماي)
-مقطع من (تعال نمطر)-

أو:

(أريد رجلا يعيدني إليّ)
-من القصيدة نفسها-

أو:

(ما من أقاص
تغري
غير سفري فيك
أنت البعيد كدمي).

في القصيدة الطويلة نسبيا (علمني الليل) تجعل الشاعرة هذه الكلمة تتصدر كل مقطع في القصيدة حتى إن القارئ يحس وكأنه ينغم هذه القصيدة كالأغنية مثل:

(علمني الليل
كي أنقر
على دعاء الزمن الفارغ
فيأتيني الرواء
من فم الصحراء)

ومثل

(علمني الليل
كي أراقص الأشباح
التي ترعبني
وأنام على تعبها).

أما قصائدها القصيرة بكثافتها العالية فهذا مثال منها  (دهشة مستعارة):

(على حافة الرعشة
تمتطي الريح
خلوة الموج
الهارب
من زبده
هل ليل الدهشة المستعاره
تعريها نظرة
أنطفئ النور
كيلا تتناسل الأسئلة)

لعل القصيدة عند فاتحة مرشيد نزهة للقلب الشاعر بعيدا عن الأدوية وروائحها وأنين المرضى الصغار وبكائهم وحناجرهم الملتهبة أو أوجاع معدهم.
والقصيدة عندها صياغة جمالية للمشاعر وغالبا هناك معادلة امرأة ورجل وما بينهما، لاغايات كبيرة خارج هذه المعادلة.
وشاعرتنا من بين مجموعة شاعرات يصنعن المشهد الشعري في وطنهن ومعها عائشة البصري، وداد بنموسى، إكرام عبدي، إيمان الخطابي وأخريات وقبلهن الكبيرتان مليكة العاصمي بريادتها الباذخة ووفاء العمراني بتجديدها الأصيل.
ديوان فاتحة مرشيد هذا يؤسس ويؤثث تجربة شعرية مهمة.

مجلة "الإذاعة والتلفزة التونسية" 14 / 21 أكتوبر 2006

 

    الرجوع