تعديل الخط
Please wait while JT SlideShow is loading images...
Étincelle dailleursAs Love is Not EnoughAs Love is Not EnoughTAOU2AMlivhis01livhis02livhis03livhis04livhis07livhis08livhis09livpo017livpo018livpo019livpoe01livpoe02livpoe03livpoe04livpoe05LeDroitDePartirlivpoe05AkaleidoscopeLo que el silencio enmudició
Galleries - الألبومات
Please wait while JT SlideShow is loading images...
Photo Title 1Photo Title 2Photo Title 3Photo Title 4Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5Photo Title 5
Visitors - الزوار
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

27 - يونيو - 2017


سعيد موزون:

المونولوج والتجريب في المحكي الروائي "لحظات لا غير":

     تؤسس رواية "لحظات لا غير" للروائية والشاعرة فاتحة مرشيد لخطاب روائي شاعري تجريبي مغاير لما هو مألوف في المحكي السردي المغربي، على اعتبار أنها تجربة جديدة في كتابة النص السردي، على مستوى الممارسة النصية وبناء النص وطرائق السرد ومقوماته الفنية والأسلوبية. فهي رواية تجديدية لكونها؛ ترفل في ثوب المغايرة والتجريب الذي يتحقق بـ"القدرة المتفردة على امتلاك وتملك سمات اللحظة المعاصرة على مستوى الكتابة، من خلال الارتكان إلى وعي جمالي ولغوي تخييلي"، ولكونها تخالفُ ما عهدناه في متحف السرد الكلاسيكي من خطابيّة ساردية ومشيَخَة سردية وتصريحيّة حكائيّة، وتحاورُ بنيات جديدة تفصح عن تمظهرٍ نصيّ متماسك، تتحرك فيه الأحداث والشخوص ضمن نسق دلالي قابل لقراءات مفتوحة وتأويلات جديدة تدعو إلى المساءلة والاستنطاق وإعادة صياغة معنى الملفوظ السردي بالهدم والتشييد. ولعل هذا هو العمل الأدبي الحقيقي الراقي، إذ "لا تكمن قيمة العمل الأدبي فقط في نوع الرؤية والقضايا التي يطرحها، بل تكمن وهو أمر هام في الطرق والكيفيات التي يقدم لنا من خلالها دوال المحكي الروائي". ولعل الملفت للنظر في المحكي الروائي "لحظات لا غير" حضور المونولوج  على امتداد الرواية كبنية تبئر المحكي وتؤطره من بداية القصة حتى نهايتها، وتنمي الحدث، وتترك مساحات وارفة للشخصية لتتحدث عن متخيلها وذاتها وأحلامها وطموحاتها، فعُدّ بذلك المونولوج مظهرا من مظاهر التجريب في الرواية المغربية الحديثة سيما رواية "لحظات لا غير" لفاتحة مرشيد.

 المونولوج كبناء دراميّ للرواية:

      يتأسس المونولوج داخل المحكي على مسار درامي يقوم على رص لبنات النص وفق استراتيجية البوح/ البوح بآلام الذوات والأصوات التي تغذي حركية الحدث وديناميته. ويشتغل المونولوج كبنية سردية ترصد بواطن الشخصيات على فضاءات متعددة في المؤلّف، ويشغل حيزا مهمّا داخل الرواية، وهو" تكنيك يمكّن الكاتب الروائي من أن يقول عن الشخصية ما لا يُقال وأن يُري القارئ منها ما لا يُرى"، ويشكل آلية سردية تبني الحدث وتكشف معالم الشخصية ورؤيتها للعالم، وخريطتها الجوّانية، وترسم صورة شاملة للذات المتشظية الملسوعة بفوضى الوجود، وتلتقط ذبذباتها وأنينها في سرد داخلي Homodietique يفجّر مكبوتاتها وعذاباتها. يرصد المونولوج في الرواية هذا التشظي الذاتي عبر خطّية سردية دلائلية تتمفصل وتتمظهر في:

المقابلة الإكلينيكية وبداية المشهد الدرامي:

       تجسد هذه اللحظة المقابلة الأولى مع  الشاعر وحيد الكامل الذي يقدم على الانتحار، ثم طفق يكاشف الطبيبة أسماء عن أدغال نفسه في نوع من المشاكسة والمراوغة والتملص المستمر من الأسئلة والغوص في أسئلة مضادة، وهذا ما أعلنته الساردة في قولها:"لم أستطع أن أحدد إن كان اللقاء أو ما يسمى بـ"التحويل" في علم النفس سلبيا أم إيجابيا.أحسستُ فقط أنني أمام مريض غير عادي".يعرض حوار الساردة مع الشخصية الرئيسة - من خلال هذه المقابلة الاستكشافية- بدايات المشهد الدرامي الذي سيمهد للمونولوج المسرود، والذي سيكشف لاحقا المحكي النفسي للشخصية البطلة، ومعاناتها من الواقع وهروبها منه إلى اللاواقع، وكذا تقلبات الطبيبة أسماء النفسية وغربتها داخل ذاتها بسبب الحرمان المتواصل من الحب في عالم آخر ما يفكر فيه هو الحب.

 المونولوج واستراتيجية البوح:

        يخلق المونولوج حركية ماتعة في المنجز النصي "لحظات لا غير"، لكونه يستنطق أغوار الذات، ويعرض صوتها الصارخ والفاضح لوقائع الماضي المأساوي، وقد صرّح المونولوج عن هذا الواقع عبر المتواليات السردية الآتية:

  • -     العداوة بين الشخصية الرئيسة وحيد والأب سيّما بعد موت الأم.
  • -     التوغل في كراهية الأب رغم صلاحه وتقواه بعد موت الأم.
  • -     علاقة التوتر مع زوجة الأب رغم طيبوبتها ومحاولات تقربها منه.
  • -    الإحساس بالغربة بين أهله، باستثناء الجدة من جهة الأم التي تحفّه بالدعم النفسي والمعنوي.
  • -     علاقة الجفاء مع إخوته من أبيه.
  • -    السفر إلى باريس، واختيار تخصص الفلسفة نكاية في الأب.
  • -    علاقة الطبيبة أسماء بزوجها السابق وافتتانها بعالم باريس (متحف رودان- مقبرة مونبارناس- قبر جون بول سارتر وسيمون دي بوفوار- زيارة الفنان عبد اللطيف في "إقامة القصر"..)
  • -    استذكار الطبيبة أسماء رسائل وحيد، وطفولة الحب بينهما.

وهذا المونولوج ينبني بالأساس على استراتيجية البوح، التي تتمظهر في مظهرين:

1)    – سخرية البوح/ بوحِ واقعِ الماضي: يجسدها بوح الماضي المقيت والبغيض الذي يبدو للشخصية الرئيسة واقعا مزعجا يمثل جزءً مُؤَرّقاً من حياتها، وقد وظفت السخرية في التعبير عنه في قولها:" يُهيّأ لي أنني لم أكره أحدا في حياتي مثلما كرهتُ والدي"، فكلمة "يُهيأ لي" تدل على

إشراك المتلقي بلاوعيه في الشك في واقعٍ واضح مختلّ القيم لا يتطلب التيقن منه لا لشيء إلا للسخرية منه والنيل منه؛ لانعدامِ المثُل فيه والمبادئ التي كان عليها أُسوتُها الحسنةُ (أي المناضل ابراهيم) في النضال والمبادئ الشيوعية والاشتراكية، ومثل هذه السخرية يصفها جورج لوكاتش بـ"الفشل الوضيع الذي تمثله واقعة التكيف مع عالم كل مَثَلٍ أعلى هو بالنسبة إليه شيء غريب". وقد تكون سخرية البوح غير مباشرة وتُفهم من السياق، في مثل حديث الشخصية الرئيسة عن الصديق المناضل القديم إبراهيم: "ثمت تجارب في الحياة لا يمكن أن نخرج منها سالمين"، هذه السخرية في البوح تفصح عن تشظي الذات بين الماضي والحاضر سيما علاقة الود مع شخصيات مؤثرة في تكوينها الفكري والعقلي والمبدئي(مثل ابراهيم المناضل)، وكذا رغبة الذات في التملص من الواقع الحاضر المرير والمتعسف للتغلب عليه (كواقع الأب والإخوة وزوجته التي لا يمكن أن تعوّض الأم).

2)    – البوح بتذويت الذاتية Subjectivation de la Subjectivite: والمقصود بهذا التذويت أن "الذات تقدَّم من وجهة نظر الذات، هذا دون أن تكفّ الذات المعنية عن وجودها كذات"، ومن خلال هذا التذويت تُفصح الشخصية الرئيسة في الرواية عن ذاتها المتألمة بضمير المتكلم المفرد والجمع، الذي يرتبط أساسا في جزء كبير في الرواية وملفت للانتباه بالسرد السير-ذاتي والمحكي الأوتوبيوغرافي، هذا الضمير يجعل للذات الساردة خريطة أوتوبيوغرافية تستعرض فيها أحداث الماضي، فتسترجعها أحيانا في نوع من الأسى والحزن حينما تحدث البطل مثلا عن والده:"كان يهون عليه كل شيء إلا كوني شيوعيا، كان يقول لي: ليتك كنت لصا أو مجرما أو معوّقا أو مريضا أو ميّتا حتى"، وأحيانا بالاستعذاب والحنين والانتشاء، قال البطل وهو يستذكر تاريخه الذهبي مع التنظيم اليساري "إلى الأمام":" نتقدم صفوف الإضرابات الطلابية مثل الأبطال../كنا منضبطين ندرس بجد لنكون في مستوى المسؤوليات الجسيمة التي تنتظرنا"، "سأبقى ممتنا طوال حياتي لإبراهيم الذي صمد ولم يعط أي اسم من أسماء الرفاق الذين كان يؤطرهم رغم كل التعذيب الذي تعرض له".

المونولوج والتماهي الحكائي:

     يعتبر التماهي الحكائي مؤشرا دلاليا على تطور السرد والكتابة السردية في هذه الرواية، فهو يتتبع حالات الشخصيات النفسية وتطور الأحداث، إذ تنطلق شرارتها من الحكاية الأصلية ثم تنبثق منها حكايات أخرى وتتدفق لتخلق دينامية جديدة للمنجز السردي، وتربك خريطة انتظار المتلقي، ويمكن التمييز في الكتابة السردية المعاصرة بين تماهيّين: تماهٍ قصدي وتماهٍ سياقي، في الأول "يحضر المؤلف بقوة ويحضر الخارج(المعطيات الخارجية: سياسة، اجتماع، أحداث تاريخية) ..والتماهي السياقي يعتمد على حكاية واضحة ومركزية تنمو وتتطور في علاقتها بحكايات أخرى تتداخل معها سياقيا بأحد الأشكال المتعددة والمختلفة كالأحلام والاستذكارات والاستيهامات"، وهذا التماهي في "لحظات لا غير" يغذّيه المونولوج بشكل كبير ويسهم في تشكيل معنى النص وتطوره، ولابد أن نشير ها هنا إلى أن المونولوج في هذه الرواية يختلف عن المونولوجات المعروفة لدى الروائيّين والسيرذاتيّين ونقاد "السردية"، فإذا كان المونولوج حوارا داخليا يرصد الجانب الانفعالي والشعوري للشخصيات، من خلال حديثها مع  نفسها، فإنه يعرف هنا تماهياً حكائيا بين شخصيتين/ ساردين(أسماء الطبيبة ووحيد الكامل) تعرفان تقاطعا في محكيِّ كلِّ شخصيةٍ/ ساردٍ، وتشابها كبيرا بين السرد والمسرود؛ فمثلا حديث وحيد الكامل عن صديقه إبراهيم المناضل المثالي، يحاكي حديث أسماء الطبيبة عن عبد اللطيف الفنان التشكيلي المعتقل السابق، وحديثه عن سوزان وبروده العاطفي نحوها(سوزان إنسانة رائعة خارج مؤسسة الزواج..المشكلة في المؤسسة ذاتها.. اليومي يقتل الحب.ص:36) يشبه حديث أسماء عن زوجها الطبيب الصارم (رجل لم يستطع خلال عشر سنين أن يلمس قلبي.ص:34). فإذن التماهي بين الأحداث الخاصة بكل شخصية يجعل من الحوار الخارجي المباشر بين الشخصيتين حوارا واحدا متماهيا أو بالأحرى مونولوجا مُصرّحا به، لانتفاء الحدود والأسرار بينهما لكون وحيد يفصح عن بواطنه وآلامه من الواقع وكون عمل الطبيبة يفرض عليها الاطلاع على مونولوج المريض ووظيفتها الإصغاء قصد معالجة المريض، وكذلك لتشابه محكيهما، وبالتالي ليس هناك داعٍ للكتمان والتواري، فيصبح الحوار المباشر بالتماهي وبشكل غير مباشر مونولوجا مباشرا.

  ويحضر التماهي الحكائي في الرواية في تداخل المحكي داخل الحكاية الأصل، يمكن استعراضه عبر هذه الحكايات والاسترجاعات:

  • -    حكاية البطل "وحيد الكامل" عن سوزان التي أنقذته من الضياع في باريس. (ص:32-33)
  • -    استحضار حكاية رودان وكاميل كلوديل وهي في متحف رودان. (ص:59)
  • -    استذكار الساردة لمحكيّ داخل محكيّ وهي في متحف رودان: علاقة وحيد بماريا السحاقية وقوله فيها:"لم تكن تعلم أنها تحفتي الأجمل..تمنيت لو كانت لي موهبة رودان لأخلد تقاسيم وجهها".  (ص:59)
  • -    استحضار الساردة حكاية عبد اللطيف في السجن لحظة زيارته في "إقامة القصر" بضواحي باريس:"أنت من بدد شبابه وراء قضبان الظلام من أجل الحرية"  (ص:77)
  • -    استحضار الساردة حكاية الحاجة الضاوية وهروبها من البيت رفضا للزوج العجوز، ومعاناتها مع إخوتها بعد موت والديها الذين تبرؤوا منها. (ص:107)

   وقد يحضر التماهي الحكائي أيضا باستذكار الأشعار وأقوال الفلاسفة والحكماء، مثل:

  • -    استذكار قولة أوسكار وايلد أثناء حديثه عن الزواج: On devrait toujours être amoureux c' est la raison pour laquelle on devrait jamais se marier (ص: 37) 
  • -    استذكار أغنية جاك بريل: "العشاق القدامى"  (ص:42)
  • -    استذكار قولة وحيد المؤثرة وهي في باريس في عيد الحب:"الخلود ليس هو الامتداد في الزمن، بل هو الامتداد في أعماق اللحظة"  (ص:68) حكاية الساردة "أسماء" أثناء مرض نهدها عن كتاب قُدّم لها هدية بعنوان:"شفاء القلب" لمحلل نفساني عانى من مرض عضال وانتصر عليه فقال: La maladie est la partie la plus saine de notre corps   (ص:52)
  • -    استذكار الساردة قولة جون بول سارتر(الجحيم هو الآخر) وهي في مقبرة مونبارناس تتأمل قبر سارتر يرقد إلى جانبه سيمون دي بوفوار. (ص:69)

 

    وقد يحضر التماهي الحكائي على شكل أحلام، كما نجده مثلا في: حديث الساردة عن حلمها ورؤيتها البروفيسور عبد الرحيم الطويل بعدما اقترح عليها الدكتور محمد الصافي زوجا بديلا عن زوجها السابق الجاف عاطفيا.قالت عن هذا الحلم:"أركض منادية بأعلى صوتي على البروفيسور عبد الرحيم الطويل، وأستيقظ قبل أن يصله ندائي وأنا أتصبب عرقا".  (ص:101)
    وفي جانب آخر من الرواية يحضر على شكل رسائل بين السارديْن/ البطليْن، سيما في لحظات الحب الأول والمطارحة الغرامية عبر الأنترنت، حينما تتهافت الطبيبة أسماء إلى مكتبها لتطلع على جديد الرسائل التي تصلها من وحيد، جاء في رسالة لوحيد:"فتحتُ قوقعتي، لتنط منها كقطة مشاكسة رسالة من باريس: "سيدتي... في البداية أعبر عن تخوف حقيقي: هل سأستطيع المحافظة على المسافة الضرورية لقراءة موضوعية لنصوصك أم أن ذلك سيكون أصعب فأصعب؟.." " (ص:111). وفي رسالة أخرى للطبيبة أسماء:"عزيزي وحيد، أن أكتب كما للأموات وهل بوسعي أن أفعل شيئا غير هذا؟ لكن القلم هذا العنيد المزاجي، يأتيني متى أراد وأينما أراد" (ص:104). وقد يأتي التماهي كذلك على شكل قصة قصيرة جدا تحكي قصة حب مأساوية أمام الكومبيوتر بعنوان:"وجهان ووسادة" (ص: 131-132)

     يشتغل التماهي الحكائي في الرواية كسَننٍ تخييليّ حديث، يتبنى التجديد والمغايرة السردية في صيغ السرد وطرائقه، ويبلور المحكي الروائي بطريقة تغني النص وتثريه بما هو خارجي وداخلي، وترصد الأوضاع السوسيو رمزية للمتكلم في المتن الحكائي، والعلائق النفسية القائمة بين السارد والساردة اللّذيْن يتحدان في مونولوج مُفْصَحٍ عنه، يستغور باطن الشخصيات وتعلن فيه الذات عن غربتها وقلقها وأنينها من الواقع الذي انعدمت فيه قيم الحب ومعالم المبادئ والانسانية.

  المونولوج وعنف المتخيل:

     يشتغل المونولوج في المنجز السردي كمحرك أساس لأدوار الشخصيات، ويسند لها السرد فيما يشبه لعبة المرايا، فبدل أن يكون السارد هو المحرك الأول لمكونات النص الورقية، تكون الشخصية نفسها الساردة الناطقة عن نفسها وآلامها وطموحها وقلقها، باستبطان الدواخل والتحدث عنها بنوع من التلقائية والتعالي على المتلقي سيما في مونولوج الشخصية "وحيد الكامل"، فحين نتتبع النص نجد هذه الذات ساخطة على الواقع رافضة للمسلّمات وما يعتقده الناس عن الحب ومؤسسة الزواج والجنس، فيجيء مُتخيّلها عنيفا يُرغم المتلقي على السير وفق ما تريده هي من أفكار ورؤى ونظرات فلسفية للناس وللواقع، لا ما يريده الناس، فيحس القارئ في لاوعيه بنوع من الانجراف الهادئ إلى رؤيته للعالم، والاستسلام الضمني لما تقوله، والتعاطف الضمني معها في تشظيها وقلقها واغترابها النفسي كذات متقوقعة على ذاتيتها، ومعزولة عن الوجود والواقع الذي يعيشه الناس.هذا المتخيّل يتجسد عنفه في ردة فعل الشخصية وحيد من سحاقيّة محبوبته مارية، التي أحبها بكل كيانه وعروقه، ولما اكتشف علاقتها الجنسية بصديقتها، ثار على كل شيء، واعتبر ذلك هزيمة لرجولته في أول تجربة له في رحاب الحب، فكانت النتيجة الاندفاع للذة انتقاما لرجولته في عالم لا يحترم الحب وطهارته :"وهكذا دخلت دون جهد ودون أن أدري كيف في علاقات متعددة متحررة، قصيرة بلا وعود.أصبحت قناصا ماهرا أتقن فن المطاردة، فن الغواية وفن الانسحاب.. كمن يبرهن لنفسه عن شيء.أتراني كنت أبرهن لها .. هي التي لا أهمها في شيء، وأنا أبحث عنها في كل النساء، أدمنتُ الجنس، أصبحتُ محترف السرير ..مثله، أعاني من فراغ مهول بعد كل امتلاء، كانت لي كل النساء ولا واحدة، كثيرات أحببنني، لكنني كنت عاجزا عن منحهن أكثر من زبد أبيض"، إذن فإمعانه في الجنس جاء ردة فعل على صدمته من المرأة الأولى في حياته "ماريا"، والتي كانت تخونه مع امرأة مثلها، فعبرت الذات بمتخيلها عن رؤيتها الجديدة المأساوية لعالم مات فيه الحب، فأعلنت رفضه وانحطاطه، وقابلَتْه بما يحتقره ويزدريه من خلال التعالي عليه وفرض قيمٍ خاصة عليه، ولا يهم أن تناسبه أو لا تناسبه أو تكون محظورة أو لا تكون، وإنما القيم التي يجب أن تسود هي قيم الذات المتألمة من الاغتراب والوحدة في واقع تسود فيه سلطة الجماعة.

  يظهر كذلك عنف المونولوج في الرواية مع الطبيبة أسماء، وذلك في مواقف معينة، هي:

  • -    علاقة الجفاء العاطفي مع زوجها السابق الطبيب الجراح، الذي لا ينبس بكلمة حب معها، ويتعامل معها بشكل ميكانيكي كحجر أصمّ، مما جعل المتخيل عنيفا يرصد آلامها وخيباتها في مؤسسة الزواج :"هو جرّاح قلب ناجح يقضي يومه بين الأذين والبطين ويعرف كل أنة للقلب من خلال تخطيطه الكهربائي..لم ينجح في تحسس نبضي..."(ص:34) وفي مونولوج آخر:" إحساس فظيع أن تمارس الحب مع شخص لا يخلع قفازاته المطاطية لملامستك."(ص:34)
  • -    علاقتها الجديدة بوحيد وطفولة الحب بينهما، وترددها في هذا الحب وبين موقعها كطبيبة معالجة وإنسانة تحب وتعشق.جاء المونولوج يرصد عنف المتخيل، وحالتها النفسية عن بدايات لقاءاتها عبر الأنترنت مع وحيد، وبدايات نشوب نار الحب في قلبها، واضطرابها وترددها في ذلك:"نسخت الرسالة كما فعلت بسابقتها، وضعتها في ملف خاص.. وأنا أتساءل كيف أجعل الأسبوع  يمر بسرعة الضوء...أستعجل قدومه وأخاف في الآن ذاته، فعلاقتنا على الأنترنت علاقة سرية، تحميها خيوط العنكبوت الممتدة إلى ما لا نهاية، لا يعلم بها أحد، ولا حتى زوجته..لا مجازفة بالظهور سويا في الأماكن العامة" (ص:112-113)، ويظهر الاضطراب كذلك وعنف المتخيل في خروجها الأول المتحرر من الرقابة مع وحيد، وهما يتمشيان على شاطئ البحر، فرصدت شعورها وانتفاضتها وهو يهمّ بتقبيلها:" توقف فجأة أمامي كمن اتخذ قرارا صارما لتوه، وفي حركة انسيابية قرب وجهه من وجهي وهمّ أن يقبلني.. دفعته برفق كمراهقة خجولة قائلة: أنت تعلم أنه ليس لنا الحق في ذلك؟.." (ص:115-116)
  • -    انكشاف العلاقة الحميمية السرية بين وحيد والطبيبة أسماء، وقتَ هجوم زوجته سوزان كامل عليها في عيادتها لحظة الانصراف، فكان اللقاء صفعة لها زاد من عنف المتخيل وأفعمه بدينامية جديدة :"شعرتُ بالأرض تدور حولي..لا أكاد أصدق ما يقع.موقف سخيف، تمنيت ألا أوضع فيه أبدا.كلماتها تدوي كالرعد بداخلي..ونظرتها المليئة بالاتهام والاحتقار والتحدي تشي بأنها مستعدة لكل شيء إلا أن تخسره.ليتها سمعتني..كنت سأقول إنني ما فكرتُ يوما في هدم بيتها.وأن علاقتي بوحيد خارج كل الإطارات المعروفة.حتى كلمة خيانة لا تنطبق عليها"(ص:127-128)، المونولوج في هذه اللحظة يجعل الذات الساردة تعيش الإحباط من جراء انكشاف حقيقة علاقتها بوحيد، وتتقلبّ بين نار الندامة وشيء من الكبرياء والأنفة وعزة النفس في عدم حصولها على فرصة الرد على للشخصية سوزان، على الأقل لشرح ما يمكن شرحه وللحفاظ على ماء الوجه، فيكون هاجسها النفسي أنها طبيبة دورها هو علاج المريض، لكنها تصبح بلاوعي وفي حالة ضعف وفراغ عاطفي- بسبب العلاقة الميكانيكية مع زوجها الذي افتقدت فيه الحب- مريضة بسبب هذا المريض/ وحيد الذي عالجها بعاطفته من حيث لا تدري، مما جعلها تصارع تناقضا داخليا وانفصاما صارخا في الشخصية، لكونها تجاوزت حدود مهنة الطب لتنساق مع قلبها العطشان. فشعرت بالمرارة لما حدث، وربما هذا الذي جعلها توظف تعبير الاستقبال والمضارعة وهي ترصد هذه المرارة، وتبرر سلوكها " كنت سأقول إنني لا أكرهها وإنني لست غريمتها وأن حبه قد صالحني مع العالم.. كنت سأقول لها إننا ما خططنا أبدا لمشاريع مستقبلية نحققها سويا على حسابها.. كنتُ سأسألها كيف تغفر خيانات عابرة لا روح فيها وتجرم حبا لا يمكن أن يؤذيها في شيء" (ص: 128). ويبلغ عنف المتخيل في المونولوج ذروته حينما تقول:" أود لو أكون وحيدة في هذا العالم حتى لا أضطر للتواصل وتبرير تصرفاتي، إذ لا قدرة لي على التبرير.أود لو أنزوي في ركن قصيّ مظلم لو أمكن، لأستمع إلى صمت الكون وأنين أعضائي" (ص: 130). فأفصح المونولوج عن هذه المفارقة النفسية والحرجة التي تعيشها الطبيبة أسماء في جوّانيتها وذاتيّتها.

     تركيب:
      إن المونولوج في هذه الرواية استراتيجية تجريبية خصبة، أخرجت به الكاتبة فاتحة مرشيد السرد من نفق الدوغمائية والمباشرية والخطابية والتصريح الكاشف لكل شيء(التي نجدها مثلا في بعض روايات السبعينات الواقعية) إلى رحابة المتخيّل ولغة الانزياح واللامطلق وفلسفة التحول كما نجد في أعمال الميلودي شغموم وعز الدين التازي ومحمد برادة ..

     وهذه القراءة أو هذه المقاربة للملفوظ السردي "لحظات لا غير" لا يمكن طبعا اعتبارها القراءة النهائية لعمل روائي في هذا الحجم، على اعتبار أن العمل الروائي كما يقول باختين هو :"ذاك الاجتياح الذي يتجادل فيه الهدم مع التشييد، وهو الكون الذي يتخلق باستمرار ودون حدود"، وبصيغة أخرى هو ذاك المخلوق الزئبقي الذي ينمو بالقراءة، ويسمو بلغته الشعرية ومتخيله السردي، فلما كان ذلك كذلك كان لزاما علينا ألا ندعي الكمال في المقاربة، لأن النص – لاسيما التجريبي- كون مفتوح على تأويلات متعددة ومتحولة، ولا ينحصر في رحىً تدور على محور وحيد مطلق.فمهما قلنا بخصوص هذا المنجز السردي وكيفية اشتغاله داخل عالم السرد والكتابة الروائية، وبرغم ما أفصحت عنه هذه المقاربة النقدية في ما يتعلق بالمونولوج كأداة سردية لخلق دينامية النص ولرصد معالم الشخصيات والبطل داخل الرواية، وتأطير المحكي وانفعالات الشخصية/ الذات وهمومها الثّقال وما تعانيه بسياط الواقع، فإننا لا ندعي أننا قلنا كل شيء عن المونولوج كتقنية وآلية لبناء متخيل النص، لاسيما وأننا أمام عمل روائي تجريبي، وإنما يمكن القول إن رواية "لحظات لا غير" تشكل أنموذجا متميزا للرواية الاستثناء في الكتابة الروائية المغربية المعاصرة، من حيث مضمونها ومنجزها النصي ومتخيلها وبناؤها اللغوي، وتعد لبنة أساسا تنضاف إلى الروايات التي أسهمت في تشكيل صرح الخطاب السردي التجريبي المعاصر، وهي كذلك أنموذج للرواية الاجتماعية التي تنتقل –بتعبير فيصل درا ج- من الواحد المطلق إلى المتعدد، أي من المضمون الجاهز سلفا إلى المضامين المحتملة والمتعددة بتأويلات القراء والنقاد " من الواحد إلى المتعدد، ومن المتجانس إلى المختلف ومن الثابت المقدس إلى متحول لا قداسة فيه، يكسر القارئ في الزمن الجديد احتكار القراءة ويطالب بلغة جديدة ذات وظائف جديدة ومواضيع تفرض أحوال اللغة الجديدة، ويتحرر الكاتب من ثنائية التلقين والاستظهار ومرجعية النص".

    الرجوع